عندما يصاب امرؤ بعلة ما، يهتم الطبيب اولا لمعرفة اسباب العلة ليداويها على اسس تكفل الشفاء.
والتشرد علة من اخطر العلل الاجتماعية التي يواجهها العالم العربي اليوم ويقف المسؤولون امام مكافحتها حائرين وجلين على مصير هذه الفئة البائسة التي تقدّر باكثر من نصف مجموع الامة، لان العوامل المسببة التشرد فاشية بشكل مربع ولم ينتبه لدرء هذا الخطر كما تنبه الغرب منذ امد بعيد وعمل بجد وتعاون على ازالة الاسباب الطارئة الهدامة منها كالحروب وما يرافقها من تقتيل وتشريد والتي تولّد في نفوس الافراد اليأس والنقمة وتوقظ غريزة المحافظة على الحياة بأية وسيلة كانت.
لقد زال الاعتقاد الذي كان سائداً والقائل: «ان المجرم يولد مجرماً»، وقد اثبت علماء النفس ان البشر يستوون الى حد ما في تكوينهم الطبيعي، لهم جميعاً غرائز خير وغرائز شر، وان ما ينشأ من التفاوت بينهم مصدره التربية والبيت والبيئة، فالفقر والجهل والظروف القاسية والمعاشرة الفاسدة تؤثر في اخلاقهم فيسيرون خطوة خطوة في مهاوي التشرد مدفوعين بغريزة حب البقاء، فهم اذن ضحايا التربية والبيئة والفقر والجهل، وليس الذنب ذنبهم بل ذنب المسؤولين والمجتمع انت وانت وانا.
سيروا معي في شوارع المدن والقرى وازقتها، وادخلوا قاعات السينما وحافلات الترام تروا الالوف من الاحداث المتسولين
والمرتزقة المتجولين المتوزعين يتدافعون ينادون على سلعهم تسوقهم الحاجة. يتعرف الى هؤلاء ويغويهم مدمنو مزالق السرقة والنشل والاحتيال والاجرام - والطفولة ساذجة - تسير في الطريق التي تساق اليها، واذا قبض عليهم لزلة ما فالمهواة الكبرى تنتظرهم في السجن، فما يلاقونه من اهمال وقسوة واحتقار، ناهيك عن اصغائهم الى اقاصيص المجرمين وما يتعلمونه منهم، فيولد هذا في نفوسهم كره المجتمع واليأس وحب المجازفة والانتقام.
ذكر الدكتور سيريل برت العالم النفساني البريطاني في كتابه «الحدث
المنحرف» ان ٧٠٪ من الاولاد الذين مثلوا امام المحاكم جاءوا من بيوت منكوبة، ومن المؤكد ان اكثر الاولاد المنحرفين لا يعيشون عيش الكفاف والهدوء بل حيث لا استقرار ولا حنان ولا مستقبل مأمول، وللبنوّة حقوق في رقاب المجتمع ان هدرت صار الانهيار.
ولنذكر ان جميع الاولاد المهملين فيهم استعداد الانحراف، كما ان اكثر المتشردين هم اولاد مهملون، واهمال الابناء مصدره الجهل او الفقر او الفساد العائلي والتي هي اهم الاسباب المزمنة التي لم يتم لها الشرق الاهتمام الكافي ولم يعالجها المعالجة السريعة الفعالة.
سراب
أنا في غمرة الندامة أحمو
خففي الزهو لا يغرك شجوي
انا اهوى الحسان بيض الثنايا
خالك القلبُ نفحةً من ضياء
خففي الزهو ليس حسنك ما
إنما انت رغبة من ضلال
خطأ الأمس من رحاب كتابي
حسنك البض لم يكن من رغابي
رب بيضاء في إهاب الغراب
فاذا انت حفنة من تراب
تشتهي الروح من كؤوس الشراب
تتراءى ومنهل من سراب

