ما البحث في تكوين العائلة الا كالنظر في تكوين الامة. لان هذه بمجموعها صورة مكبرة عن افراد العائلة كما لا يخفى. لذلك اعدّ البحث في هذا، امراً حيوياً بحتاً. ولا تتوفر اسباب الفلاح للمجتمع البشري الا باصلاح وتهذيب كل اسرة منه كما تدل على هذا قرائن الاحوال في كل زمان ومكان.
ولا يندّ عن الذهن ايضاً ان الاسرة الصحيحة البنية الخالية من العاهات الجسدية والعقلية تؤلف بتعاضدها وتناحرها امة نشيطة حكيمة تعرف ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات.
اما الاسرة الضعيفة المشوهة المنفصمة العرى، فتكوّن بتخاذلها امة مستضعفة خانعة تهيم من الضلال والاستعباد في كل واد، بحيث لا يمضي على كيانها زمن يسير حتى تتفكك حلقاتها وتمسي لقمة سائغة.. في فم تلك الاسرة الباسلة الباحثة عن مورد الرزق لاولادها اذ لا تجد بين افرادها من يستطيع المقاومة. لان كل واحد منها سائر على هواه يغني على ليلاه او كما قال الشاعر: كريشة في مهب الريح طائرة لا تستقر على حال من القلق.
والعائلة مركبة من ثلاثة اقانيم أب وام وولد. فالاب هو ربّ العائلة والمسيطر عليها، وعليه اعالتها والاعتناء بشؤونها وتقديم زهرة حياته ليس لنفسه فحسب بل لزوجته واولاده، أي ان يشاطر زوجته اهتمامها بتربيتهم وتثقيفهم تربية صحيحة خالية من كل عيب. وان يغتنم كل سانحة ليعقد جلسة في منزله يقوّي فيها رباط عائلته كي يزيد التفاهم بين افرادها وتسود السعادة عندئذ في
منزله وتخفق فوقه راية الفلاح والرفاه، وان يكون قدوة حسنة قائماً خير قيام بواجباته الادبية والمادية نحوهم وبعيداً عن اماكن الريبة والفساد.
الام هي الملاك الحارس للعائلة والقيّمة على تدبير منزلها وملاحظته بعين العناية والسهر وهي اما امّ حديثة عصرية فيرى فيها زوجها رفيقة غريبة عنه برأيها وخلقها ولا تعرفه زوجاً لها الا متى اعوزتها الحاجة الى دراهمه. ويرى فيها اولادها المتصبية التي لا يهمها من شؤون حياة عائلتها سوى تزيين نفسها ولباسها وما الى ذلك من التبرج والتأنق واتباع الازياء الجديدة وانواع الملاهي المعروفة.
واما جاهلة فيتخذها زوجها مطية لقضاء مآربه ويأنس منها اولادها خادمة لقضاء حاجاتهم، وهذه من اهم العقبات التي تقف حائلاً في سبيل تكوين العائلة – لان الأم الحقيقية يجب ان تكون المحور الذي يدور عليه سعادة البيت – وعليها ان تضحي بكل مرتخص وغالٍ وتنكر نفسها في سبيل راحة عائلتها وتغرس في عقول بنيها روح الفضيلة والتقوى. وحب الخالق العظيم الذي يجده كل ما في الطبيعة من حسن وجمال. نعم يا اختي عوّدي اولادك النظام والترتيب ولا تغضّي الطرف عن سيئاتهم بل كوني لهم مرشدة حكيمة وصديقة حميمة في
سرائهم وضرائهم. كوني لشريك حياتك زوجة امينة صالحة تهتم في ما يلائم ذوقه ومزاجه حتى اذا عاد من شغله بعد عناء النهار يجد بيتك فردوساً ارضياً وحديثك اللطيف عذباً شهياً يزين له البقاء بقربك لان البيت يجب ان يكون مركز سعادتكما العائلية.
الولد: في دور الطفولة يقاسي الولد الامرين من اهمال والديه شؤونه وانصرافهما الى امور اخرى غير متعهدَي بجناحها. فتتأصل منذ نعومة اظفاره في نفسه البريئة الطاهرة شيء من عدم الاكتراث لها. ولو انه لا يشعر به كطفل ولا يعيه كشاب فهو لا يقدر علاقاته البيتية حق قدرها. حتى انه اذا ما كبر وترعرع قليلاً ولمس ذلك الحنان لمس اليد، خرج الى العالم حائراً لا يدري من يختار من اترابه ولا يميز الغث من [...]


