أبت الودود !.
هي ذكرى عزيزة تعبق أيامي الجرداء وليالي الحوالك بأريجها
أذكرها أنا جيداً رغم انها مشت عليها أحداث وأزمان
ولا تذكرها أنت ... لأنها فاحت عنك دون ان تعلم ، كما يفوح العطر عن الزهرة النبيلة
أتذكر يا أبت يوم أخذتني الى حدائق « القناطر » يوماً !
كنت ما زلت آنذاك صغيرة
عدوت ثم ولعبت ووثبت وطفت بكل زهرة كالفراشة وأنت من حولي ترعاني بعينيك .
وكنت تعلم ان التعب سوف يبلغ مني مبلغه .
وكنت تعلم أنني أوشك أن أتداعى من الاعباء ،
واصرخ واعول طالبة منك ان تحملني الى حيث الراحة والشجر الظليل .
وسرعان ما صدقتْ فراستك !
وسرعان ما تداعيت وتهالكت وطفقت اصرخ واعول
وطلبت منك ان تحملني الى حيث الراحة والشجر الظليل
ولكنك يا أبت لم تنطق بشيء ...
أخرجت مديتك الصغيرة ، وقطعت غصناً من الشجرة وقلت : « هذا جواد كريم فاركبيه
الى الشجرة الكبيرة » واشرت بيدك الى دوحة بعيدة . صدقتك وركبت الجواد الكريم
وعدوت به وقد تجدد نشاطي ، وزال عني العناء والوصب .
أترى الحياة يا أبت قد اختلفت لديّ من بعدك ومن بعد ان شببت عن الطوق !
لا والله ، ولا قيد انملة !
فقد يأتي عليّ حين من الدهر أرى عقلي فيه قد كلّ وروحي قد ملّ وبدني قد هدته
الاحداث والاحزان ، حتى ليخيل اليّ أنني لن استطيع ان أتقدم في الحياة خطوة اخرى .
ثم اجد غصناً قطفه الزمن بمديته الصغيرة وأسمع في اذني من يهمس همسة يخطئها السمع ،
ويثبتها يقين النفس ، وحب الحياة : « هذا جواد كريم فاركبيه الى هذه الشجرة . »
فاصدقه ، واركبه وأعدو به وقد زال عني الوصب والعناء ، وامتلأت جوانحي اقتداراً
على الحياة ، ورغبة في البقاء ، وحرصاً على بلوغ الهدف .

