... وهز الطبيب رأسه وهو يصغي
الى المرأة تقص حكايتها ... فقد
حرمت السفر - كل انواع السفر - لان ،
اي نوع من الحركة كان يتركها في حالة
يرثى لها من الدوخة العنيفة القاتلة ...
وقد شاورت عدداً من الاطباء ، فلم يشفها
احد ، لكنها لا تزال تؤمل وترجو ، ان
يكتشف الطب دواء يرفع عنها هذا
الحرمان ، فتتمكن من السفر ومشاهدة
العالم !
ابتسم الطبيب هذه المرة وكان جوابه
مختلفاً عن اجوبة الاطباء السابقين ،
وهوّن عليها المصيبة قائلاً : « ان المسألة
بسيطة فكل ما عليك ، هو ان تأخذي
قرصاً صغيراً اصفر قبيل السفر مباشرة ،
وبعد ذلك سافري اينما شئت ! »
وكان في هذا الخبر ذروة السعادة
لهذه المرأة ولغيرها من الناس الكثيرين
الذين يعانون الدوخة او الدوار - فلاهو
بالمرض ، وانما ألعن من المرض ، ويوافقني
في هذا كل من جرّبه ...
والواقع ان ملايين الناس يعانون
نوعاً ما من الدوخة : من السفر في البحر ،
او السفر في السيارة ، او الطيارة ، وبعض
الناس يدوخون من مجرد ركوبهم
المصعد في بناية عالية !
وقد ثبت طبياً بان جميع هذه الانواع
من الدوخة سببها اخلال التوازن في
الاذن الداخلية ...
قام الطب بمحاولات عديدة على
الدوار ... وبما ان دوار البحر هو اكثر
هذه الانواع شيوعاً واشدها فتكاً ، فقد
اجريت تجارب عديدة حوله واستعملت
مئات الادوية املاً في اكتشاف الدواء
الشافي .
صحيح ، ان قسما من هذه الادوية
نفع بعض الشيء ، انما البعض منها احدث
ضرراً اشد خطراً من الدوار نفسه ، ولهذا
كانت التجارب تأخذ مجراها بكثير من
الحيطة والحذر ، وكانت كلها تبوء بالفشل .
اما اكتشاف الدواء الناجح فكان
من باب الصدف . ويسمى هذا الدواء
الان « Dramamine » درامامين . وان
الغاية الاولى لوجوده كانت تجربته لمعالجة
امراض الحساسية ( allergies ) وقد
كان يظن بانه ربما جاء بفائدة ...
وكان بين المرضى الذين اجريت عليهم
التجارب امرأة حامل ، كانت حساسة
لبعض الروائح ، وكم كانت دهشتها
عظيمة عندما اخذت هذا الدواء ، ولما
ركبت السيارة لم تشعر باقل دوخة ما
تعودته دائماً قبلاً ! ومن شدة تعجبها ،
اطلعت الطبيب على الامر فلم يعره اهتماماً
يذكر انما طلب اليها اعادة استعماله وكانت
النتيجة مدهشة ايضاً !
فاعطاها الدكتور حبوباً للمرة الثالثة
غير انها رجعت هذه المرة باخبار مغايرة
فقد شعرت بدوخة مزعجة رغم اخذها
الدواء ! والطبيب وحده قام وقعد لهذا
الخبر الاخير واهتم له كثيراً ، ذلك لان
الحبوب الاخيرة لم تكن غير حبوب
سكرية لا اثر للدرامامين فيها !
وهنا بدأ الطبيب تجاربه بصمت وعلى
نطاق اوسع ، فوزع كمية من هذه
الحبوب بين اصحابه ، يقدمونها لمن يعرفون
عنه انه يتأثر بالحركة - في السيارة او في
الطيارة ، وكل من استعمل هذه الحبوب
حسب اشارة الطبيب ، قبيل السفر تماماً
لم يشعر باقل دوخة !