قطفتك أمس ، يا وردتي ، ولما تكد تتفتح أكمامك ؛ وأنزلتك العروة اليسرى من سترتي ؛ هنا ... فوق قلبي !
فعلت ذلك عفواً ، مع أنني لم أعتد تزيين صدري بشيء ؛ لا استخفافاً ، وإنما لأنني لست آلف هذه المظاهر الزائفة ، ولا أحب التزوّق والتصنّع !
وقد تعوّدت أن أقطف الزهرة فتعبث بها يداي ؛ فلا تلبث حتى تتناثر أوراقها ... ويبقى ساقها في يدي ؛ فألقيه على الحضيض من غير انتباه أو اكتراث ! ...
أما أنت ، يا وردتي ، فقد استرعيتني من بين الورود ! ..
رأيتك عروساً جميلة ؛ تعلين عليهن ؛ وقد اصطففن حولك في تهيّب وإجلال ، كأنهن يحتفلن بزفافك إلى نور الشمس وخيوطه الأولى تدنو منكن مع الصباح الباكر ... فجئت ، أنا ، أسبق نور الشمس ، فاختطفتك من بينهن ! ...
وأول ما فعلت أني أدنيتك من أنفي ؛ فإذا عبيرك ينعش قلبي ، ويشيع في نفسي السعادة ويبعث فيها أمل الربيع ؛ فيأتلف شبابها مع شبابه ... فكأنك ، بأريجك المعطر ولونك الزاهي الطافح بالحياة ، رسول من الربيع إلى نفسي ؛ تحملين إليها رسالة مفعمة بالحب والجمال ! ...
وقد حرصتُ على ألا تمسّك يد بسوء ، وألا يختطفك متطفّل من مكانك ... فظللت ، النهار بطوله ، حيث وضعتك ؛ قريبة من قلبي ، تمدّينه بالنشاط ... وقريبة من أنفي ، تبعثين إليه بأريجك الطيب ...
ولكن الحرارة فعلت فعلها فيك ! فما أقبل المساء حتى كانت كل أوراقك قد تفتحت وظهرت في أتمّ ما تكون وردة جمالاً وجاذبية ...

ولما دخلت غرفتي ، قبيل منتصف الليل متعباً ، لم أدعك حين نزعت سترتي وجلست إلى طاولتي ... فحملتك في يدي أنشق من عبيرك وأتملّى من منظرك ...
ولما غلب النعاس اجفاني ونهضت إلى فراشي ؛ سقطت من يدي ، على الطاولة ، مني ...
ولم أرك بعد ذلك إلا في مساء اليوم التالي ، حين جلست إلى طاولتي مرة ثانية ... لم انتبه لوجودك أول الأمر ! ولكنك بعثت بأريجك خفيفاً إلى أنفي ترسلينه عتاباً على نسياني لك ؛ فانتبهت ومددت يدي لأتناولك ، فإذا هي تجمد ، قبل الوصول إليك ! كأن شيئاً يثنيها عنك ! ... ذلك أنك لم تعودي ، كالأمس ، شابة زاهية فوّاحة ... فأوراقك قد ذبلت ، ولونك قد بهت ... إلا أني أبيت أن أكون عاقاً ؛ فتناولتك وضممتك بكلتا يدي إلى وجهي أتملّى من بقايا عبيرك ... وإذا دمعة تسقط حرّى من عيني عليك .
لقد كنت لي صديقة يوم في حياتي ... ولكن هذا اليوم هو حياتك كلها ، وهبتني إياها بكل ما وضع الخالق فيها من جمال وحب ...
حياتك ، يا وردتي ، ساعات ، وحياتنا ، نحن البشر ، سنين . ولكن الشبه ، رغم ذلك ، شديد بين حياتنا وحياتك ... فالعبرة في ما يعطيه المرء في حياته وما يفيده هذا الوجود منه ... والنتيجة واحدة : ذبول ...
هكذا ، يا وردتي ...
ف. مروه
