س - هل تعتقدين ان كل هذه الامور قد جعلتك تطمئنين الى الحياة وتشعرين انك توصلت الى السعادة التي تنشدينها ؟
ج - رغم ما اشعر من اطمئنان الوجدان وارتياح الضمير لم اجد السعادة التي نشدتها الا على بعد عشرين كيلومتراً من دمشق . هناك في مزرعتي «الزربقية» التي رأيت فيها اثمار خدماتي . شممت بنسيمها أريج الثناء على جهودي . اجل هناك حيث ما قمت بواجب اللهم الا وكوفئت بأحسن منه . فالشجرة التي اوليتها عنايتي ملأت بيتي بثمارها الشهية والحبة التي زرعتها بعطفي عوضت علي بدل الحبة حبات ، والزهرة التي عشبت حولها انعشت روحي بعبيرها . وهناك تغمرني المواشي بكرمها فأشرب من أطايب ألبانها وأنعم بعطفها الطبيعي وشعورها بالجميل . واذ دعوت بنات جنسي الى العمل فعذري اني اجني ثمراته واذا دعوتهن الى الحقول فعذري اني أتذوق لذتها . فالزراعة هي المورد الأهم لبلادنا وعلى قدر عنايتنا بها نتمتع بما نريد ونتمنى من رخاء .
وادعوكن يا اخواتي الى الارض - فأنا لا ارتكب بدعة ، فالمرأة كانت منذ الخليقة شريكة الرجل في استثمارها ولا تزال حتى الان . واما ترك القرية والنزوح عنها الى المدينة للتحري عن العمل فهذا علة اجتماعية يشكو الغرب منها ويوجس خيفة من مغبتها والمرأة العربية بدأت تفكر في العمل الجدي شئنا او أبينا ، فمراعاة للحياة الاجتماعية ومجاراة لروح العصر أرى المجال متسعاً امامي لان اناديها بلغة الحب والحنان فأدعوها الى الحقل ، الى المزرعة ، الى الارض . فهنا تجد الكفاف وهنا تجد الثروة وهنا تجد الاستقلال . بلى وفي الارض وحدها تكاد تدرك السعادة المنشودة .
س - والمهن الحرة - هل تنصحين المرأة بمعاطاتها ؟ وأيها أليق في نظرك ؟
ج - اما الاعمال الحرة الاخرى كالطبابة والصيدلة - الادب - الفن - الصحافة هذه اعمال محدودة المدى فلا يمضي وقت قصير حتى نرفع اصواتنا قائلين كفانا ادبيات ، كفانا طبيبات ، كفانا معلمات ولكننا لن نقول ابداً كفانا زارعات فالحات ولن نقول حسبنا للدواجن والماشية من مربيات .
الزراعة أليق عمل مهني للمرأة التي حباها الله بغرائز صالحة للتربية والتنمية . الحنان والعطف والصبر صفات تتمتع بها المرأة فيسهل عليها القيام بوظيفة الامومة . وهي ميزات يحتاج اليها مزاولو الزراعة ، فالنبتة والشجرة والزهرة والماشية والدواجن يعوزها كلها ما يعوز الطفل من رعاية وعطف وطول اناة . وكأني ببعض القارئين والقارئات يستخفون بدعوتي ، وكأني ببعض الفتيات المتعلمات يهزأن بتمنياتي . قائلات المثل هذا قضينا
الاعوام الطوال في الدرس والتحصيل ؟ على مثل هذا عقدنا الآمال الكبار للمستقبل ؟
س - كيف اتجهت هذا الاتجاه ومن غرس فيك محبة الارض ؟
ج - اراد المرحوم والدي ان يجرب طموحي في مزرعة له تسمى حزرما بضاحية الشام ولما أنست من نفسي النجاح أردت ان تكون جهودي مبذولة في مزرعة خاصة بي دون سواي . وكأنه اراد ان يصرفني عن السياسة فملكني مزرعة في الجوار كبيرة المساحة ولكنها سبخة الارض كانت قد استعصت على جدي هولو باشا المعروف بحزمه وعزمه . اهداني هذه المزرعة وهو على يقين بأنني سأجد فيها السلوى ، وسأجد فيها الميدان الفسيح لمطامعي ، وهو على يقين ايضا باني سأنفق عليها دون ان استطيع تذليلها واستثمارها . واني سأرجع في النهاية الى رأيه واهجر الزراعة امام ما القاه من المصاعب .

