كان الناس يعتقدون قديماً ان البلوغ - وهو بدء المراهقة - يحدث فجأة كالثورة الحاسمة وانه بظهور الحيض تصبح الفتاة امرأة بين ليلة وضحاها . فتقطع كل صلة بالحداثة وتتلبس شخصية جديدة في جسمها وفي عقلها .
لكن التنقيبات الحديثة في الفيزيولوجيا والسيكولوجيا ترينا انه في ما عدا تنبّه الوظيفة التناسلية الكامنة لا يحدث في سني البلوغ تغيرات ثورية مفاجئة - ان الحياة تجري كنهر هادئ ، لا كالسيل العنيفة التي تعترض سيرها الشلالات . والحياة وحدة متماسكة متشابهة الاجزاء تظهر تباشيرها في الطفولة وتستمر هي هي في مظاهرها الاساسية حتى المراهقة والنضوج .
وكما يتأثر الاولاد بمواقف الكبار واعمالهم من غير ان يفهموها هكذا الفتاة المراهقة . فاذا نحن غيّرنا موقفنا من هذه السن ولم نعتبرها كدور خطير او ازمة كبرى في حياة الفتاة سرى شعورنا واطمئناننا اليها هي ، واصبحت بالتالي هادئة واثقة تنظر الى الامور نظرة طبيعية وانحلت مشاكلها من تلقاء نفسها . ولكن كم نرى من فتاة تتبرّم برفقة اهلها لما تراه من اهتمام بها في غير محله .
عديدة هي المؤثرات التي يخضع لها الولد اثناء نموه اهمها تأثير المدرسة والمعلمين الذين يكونون للام يدها اليمنى ومساعدتها في تنشئة الولد ، ولكن هناك ايضاً معاونة الطبيب والممرضة وتأثير الجيران ورفاق اللعب والاصحاب والكتب والجرائد والاعلانات والراديو
والسينما والحفلات . جميع ذلك بالاضافة الى شخصية الولد التي تستجيب لتلك المؤثرات وتكييفها حسب ميولها الخاصة . فيحدث حينئذ تفاعل مستمر بين العوامل المؤثرة فيه واستجابته لتلك العوامل .
وحين تريد الأم ان تنتخب للولد ما تراه نافعاً له ، لا بد ان تتأثر بميولها الذاتية واختباراتها الماضية . وكذلك الأب حين يفرض آراءه واهواءه على الولد . فلتصوّر حالة الصغير حينما يحاول من خلال العوامل المختلفة المحيطة به ان يعبّر عن ذاتيته وفي الوقت نفسه ان يجاري المحيط ويتبع التيار .
واجبك حينئذ ابتها الأم ان ترشدي ولدك ، لا من ناحية واحدة بل من جميع النواحي الجسمية والعقلية والروحية . وفي فوضى المؤثرات التي تحيط به ان تهديه الى ما يناسبه هو لا الى ما يناسبك انت . عليك ان تدرسي حاجاته وميوله ، ما يحب وما يكره ، ولا يمكن ان تلاحظي فيه انحرافاً او شذوذاً ما لم تدرسي غيره من الاطفال والاولاد الاسوياء . اسألي الطبيب اذا اقتضى الامر
فيعطيك الارشادات اللازمة وانقلي اليه ملاحظاتك بدقة وامانة فتكون معونته لك اكثر فائدة واكثر فعالية .
وغني عن القول ان الولد يتأثر بك اولا ويقلد كثيراً من مواقفك وحركاتك وشعائرك بطريقة غير محسوسة . وان الطفولة السعيدة التي يعيشها الولد في اسرة سعيدة هي الاساس الذي تجعل منه في المستقبل وطنياً غيوراً ورب اسرة موفقة . وانت حجر الزاوية في ذاك البناء .
غداً الفتاة المراهقة
رغم ان الفتاة المراهقة لا تحتاج الى معاملة خاصة في الاكل ، يجب ان لا يغيب عن بالنا ان انسجة جسمها تزداد نشاطاً وانها تحتاج الى الاطعمة النشوية والسكرية المولدة للطاقة فتشتد قابليتها للاكل او تفسد بالاقبال على الحلويات والاطعمة المثيرة للشهية ، الكثيرة التوابل او الغريبة التركيب . وقد تتردد بكثرة على اماكن المرطبات او تمتنع عن فطور الصباح طمعاً في المحافظة على رشاقة قدّها . في هذه الحالة يجب اعطاؤها طعاماً


