دعوة إلى الأرض
س - هل تراجعت وكيف أذللت العقبات التي وقفت دونك؟
ج - مضيت في عزمي واستهنت بالصعاب وبعد مضي بضع سنين استطعت أن أبشر ذويّ بأني تمكنت من تذليل الأرض دون أن تذلني وذلك بصلابة إرادتي وبقوة ساعديّ. أجل بقوة ساعديّ هذين اللذين كانا ناعمين وربما أصبحا خشنين. كيف لا ولطالما شددت بيدي على المحراث، وكم قدت الثيران بنفسي وقمت على العناية بها. وكم نهضت من فراشي في ظلام الليل للإشراف على ريّ الحقول. وأنا أرى خلال ذلك السعادة ترافقني وأشعر براحة الضمير تغمرني.
س - لماذا لا تبقين في المزرعة دائماً؟
ج - عندما تزوجت اضطررت أن أعيش في بيروت وأفتح منزلاً وأديره ومن آن لآخر أزور المزرعة فأنا ربة منزل وعندي ابنتان يتيمتان أربيهما، ومع هذا لا أتأخر عن الاستمرار بإدارة المزرعة وما فيها من فلاحين ومواش وما تحتاجه الأرض من كل الأمور الأخرى. فأنا للفلاحين «الحاكم» التي تحل لهم جميع مشاكلهم وتساعدهم في كل أمورهم. أقوم لهم بدور الطبيب أحياناً والمولّدة لنسائهم أحياناً أخرى كما أفصل في قضايا بشكل عليهم حلها فأكون الحاكم والمحامي كما أكون المربية والمعلمة لأطفالهم. ولديّ سجلات منظمة أشرف عليها بنفسي فأدوّن الحاصل والإحصاءات اللازمة لكل صنف ولكل جنس من الحيوانات. حياة المزرعة حياة شاملة فيها كل أنواع الحياة فما أسعدها من حياة!

لا تطالع لتنمية روح النقاش والجدل فيك، أو للتسليم بكل ما يمرّ أمامك، أو لتجده مادة للثرثرة والتندر، بل اقرأ لتمحيص الحقائق والتبصر في الأمور.
والكتب على أنواع، منها ما يجلو للتذوق وحسب، ومنها ما يصلح للالتهام، والقليل منها يلاك ويهضم، أي أن بعضها جدير بالقراءة أجزاء وفقرات، وبعضها جدير بالتصفح السطحي، والقليل الذي يستحق القراءة بإمعان وتفكير.
وهناك بعض الكتب التي تقرأ بالنيابة أي أنها تطالع بشكل مقتطفات اختارها أو أوجزها شخص آخر، وهذه لعمري، هي أرخص أنواع الكتب عادة وأفقرها مادة. ذلك لأن الكتب إذا لخصت كانت كالماء إذا قطّر، يستخرج منه القليل النافع ويترك الكثير التافه.
والمطالعة تجعل المرء كاملاً، والمجالس تجعله حاضر البديهة، أما الكتابة فتجعله دقيقاً شديد الانتباه. ويحتاج حين الكتابة إلى ذاكرة واعية وفي المجالس إلى ذهن متوقّد وحين القراءة إلى فكر ثاقب كي يتعلم ما فاته علمه.
والعلوم على أنواع: «فالتاريخ» يعلم الحكمة، و«الشعر» يرهف الحس، و«الرياضيات» تشحذ الدهاء، و«الفلسفة» تبعث على التعمق في أسرار الطبيعة، و«المنطق» يكسب البراعة في الإقناع.
نقلها إلى العربية: محمود الأكحل

