من اجمل معاني الحفلات التكرسية، ما تنطوي عليه من التأثيرات الحية التي ترفعنا من عالمنا المحدود الى مواطن الروح الخالدة.
سُئلت في عهد تلمذتي في الغرب من هي اعظم امرأة في بلادك اليوم؟ فاجبت فوراً وبلا ادنى تردد «املي سرسق». فقيل لي لماذا : قلت لانها غنية، ولم تعش لنفسها كالاغنياء، لانها جميلة، ولم تعش لنفسها كالجميلات، لانها ذات نفوذ، ولم تستعمل قط نفوذها لمآربها الشخصية الخاصة. وانا اليوم بعد اختبار حسّي خلال عدد من السنوات لا ازال اشعر شعور صدق وحق بان املي سرسق كانت اعظم امرأة عرفها لبنان.
ألا يخال كل منا اذ يتأمل هذا التمثال الرخامي الصامت الذي يرتفع منذ ست وثلاثين سنة في باحة هذا المعهد الكريم، بان هنالك امرأة فاضت حياتها بنورانية المحبة الشاملة لكل من هو اضعف منها.
أو لم تكرس املي صباها، قلبها، وعقلها، ومالها، وصحتها في سبيل البر والاحسان؟
او لم تهزأ بالنفوذ والجاه، والسطوة، شاعرة ان من حق الحياة عليها ان تتمرد على محيط تسطو على امكانياته قيود الذاتية الهدامة، وتخنق مواهبه مطالب المادة الغاشمة، محيط لدود خامل، وتضحي قواه على مذبح التكاسل والجمود.
او لم تكن الغنية الوحيدة في عصرها التي شعرت ان من حق الحياة عليها ان تستخدم غناها لاغاثة من هم اقل حظاً منها واضعف ايماناً من ايمانها، فكانت تبعث بفيض من الامل الى قلوب يئست من الحياة، وتمنح العزم الى صدور خانها الثبات، وتضيء سبيل نفوس متألمة حائرة.
عاشت املي في عصر ضعف ايمانه بتعلم الفتاة ضعف ايمانه بمباديء الرحمة والاحسان، عصر فردي منكمش على نفسه، ولم يكن لديها غير الايمان الذي اشرق على دانيال في جب الاسود، فقامت تجند كل قواها الروحية، حتى فازت بأربها بمعاونة تلك المرأة الجليلة التي عاضدتها اعظم معاضدة اعني الاخت مريم جهشان.
فها المدرسة التي كرست لها كل دقيقة من حياتها، وها الميتم الذي سعت ليلها ونهارها لتأسيسه، وها الرهبنة التي امنت لها مجال الخدمة المستمرة، وها الكنائس التي شادتها في حياتها ومماتها، ألسنة حية ناطقة بفضل هذه المرأة النادرة المثال.

