ان هدف المرأة العصرية ان تساوي الرجل لا في الحقوق فقط ، بل ايضاً في الشخصية والتفكير والانتاج الثقافي ، ان ترتقي من وضعها الحاضر الذي يحصرها في دائرة الحاجات الوجودية الى وضع اعلى يمكنها معه الحياة الانسانية المثلى ، حياة النشاط الخالق .
لكن امرأة اليوم - في كل مكان - لا تزال ترزح تحت كابوس اجيال طويلة من الاستعباد . وقد اخطأ الذين ينظرون الى الماضي ليستلهموا منه وسائل تحرير المرأة ، لان شرائع الامس ووقائعه ، على السواء ، تتضافر للتضييق على المرأة والحد من حريتها . واليوم لا تزال نظرة الناس الى المرأة في شعورهم ، ولا شعورهم ، نظرة القدماء الذين اعتبروها جنساً متوسطاً بين الولد والرجل ، آلة للولادة وخدمة الجنس الاقوى في صورة الزوج والولد ، ذات عالم ضيق محدود لا يتعدى الترفيه عن الرجل والحدب على الاولاد . وهذا الكابوس يؤلف حاجزاً قوياً يمنع مساواتها بالجنس الآخر ، مهما بلغت من العلم والثقافة ، لانه يضعف ثقتها بنفسها ويسوقها الى الايمان بضعفها .
من حسنات مناهج التعليم في البلدان التي نأخذ عنها مناهجنا أنها لا تفرّق بين الفتى والفتاة بل تطلب من كليهما نفس الجهود ونفس الامتحانات للحصول على نفس الشهادات . هذه المساواة اليوتوبية على مقاعد الدراسة تصطدم بتيار معاكس خارج المدرسة ، في البيت وفي المجتمع ، يصدم الفتاة في ايمانها ، ويهدم آمالها واحلامها .
لكن بين نساء اليوم من تصغي الى نفوس عامرة بالايمان ، سابقة لعصرها في التفكير ، تتطلع الى عصر جديد وحرية جديدة ، وعلى مثال جان دارك تسمع اصواتاً غريبة عن محيطها تناديها وتقول : « إكتسبي حريتك ! وهاك السبيل اليها :
» اولاً المهنة . كل امرأة وكل رجل يجب ان يتسلحا بمهنة . ومن لا مهنة له فهو طفيلي اعزل . كذلك المرأة بلا مهنة طفيلية عزلاء . نحن في عصر انقلابات وتطورات سريعة لا يثبت في وجهها سوى الاعتماد على النفس . كان في الناس قديماً طبقات مميزة يتكل افرادها على امتيازاتهم ويرون في التطفل امراً طبيعياً . اما العصور الحديثة فقد علمت الناس اكثر من ذي قبل ان الاحوال لا تدوم وان الامتيازات معرّضة للزوال .


