«ثانياً الثقافة التي تستمر طيلة الحياة. وللمثقف علامات كثيرة منها الرياضة البدنية ومنها الانضباط الخلقي وعدم الانقياد للعاطفة ومنها سلامة الذوق وتفهم اسرار الجمال. ولعل اهمها استمرار الثقافة العقلية التي تعني القابلية المستمرة للدرس والمطالعة واخذ الجديد. وكذلك تعني المقدرة الذاتية على الحكم والانتخاب وان يكون للمثقف عالمه الذاتي وتفكيره الشخصي فلا ينجرف مع تيار الرأي العام ولا ينساق للابتذال ولا ينقاد لمجاراة المحيط بصورة لا شعورية، بل هو على مثال ديكارت يشك في ما حوله ويقاوم الاوهام والاباطيل.»
لا ازال اذكر قولاً للاستاذ بيانكي في حفلة سنوية للمنتهين في الجامعة: لقد اصطلح الناس على دعوة هذه الحفلة «حفلة البداية» أي بداية الحياة والكفاح. وفي رأيي ان هذه الحفلة تعني لكثيرين منكم الموت المحتم ونهاية الكفاح والقاء السلاح والاعراض عن كل نمو خلقي او عقلي او روحي والخضوع لمؤثرات المحيط والرجوع الى تقاليد الاجداد واساليبهم في العيش والعمل والتفكير.
واذا كان الشاب معرضاً لمثل هذا الهبوط فالفتاة اشد تعرضاً له. لان التقاليد التي تشدها الى الماضي تود قصر كيانها على الاعمال البيولوجية او ما نسميه بالحياة النباتية. وليس هيناً على الفتاة بعد ترك المدرسة ان تسلم من التأثير الرجعي الذي يحيطها به الاهل والمجتمع وان تقاوم إغراء الحياة النباتية السهلة المبنية على الاستسلام والتراخي.
ولكن رغم هذا نريد ان نكون
متفائلين وان نؤمن بالتطور الطبيعي البطيء الذي يرفع من عقلية المرأة وميولها واهدافها ويريها بصورة فعلية ملموسة ان الحياة الانسانية افضل من الحياة النباتية، هذا مع العلم بأنه قد
تأتي ظروف جديدة غير منتظرة ترغم المرأة على التطور السريع وتحقق في برهة وجيزة ما نحققه في قرون «وألف سنة في عينيك يا رب كمثل أمس الذي عبر».

