اعياد المدارس السنوية
اعتادت المدارس في البلدان الراقية ان تقيم في آخر كل عام مهرجاناً عاماً تعرض فيه اشغال الطلبة على انواعها ، فتظهر للمتفرج درجة تفوقهم في الاشغال اليدوية ، فتبدو مثلاً ، قاعة الرسوم الفنية المصنوعة بايدي التلامذة ممهورة باسمائهم - ثم غرف الالبسة الحريرية المطرزة - فغرف الخياطة - فصنع البرانيط - والفراء - والاشغال الصوفية - وحياكة الاقمشة - وصنع السجاد والازهار الاصطناعية - النجارة - الحلويات على انواعها - الفواكه المحفوظة والمجففة - تزيين الشعر - اصناف الشوكولاته والكراميل - الطبخ - وجميع انواع الفنون العديدة التي يهيئها الطلبة بايديهم وجهودهم والتي تعينهم في حياتهم المقبلة ، اذ تمرّنهم على مغالبة الصعوبات في العمل المنتج المفيد .
وفي اثناء هذا العرض تلجأ بعض المعاهد المجانية - واكثرها كذلك - الى بيع بعض المعروضات بأسعار ادنى من اسعار الاسواق المعروفة لتستعين على سد حاجات المعهد الضرورية .
هذا هو الذي عرفته عن مهرجانات المدارس في بلاد الغرب .
اما هنا ، فكل شيء غريب عجيب يبعث على الدهشة والاسف معاً . فالمعاهد تتنافس في آخر العام على اقامة المهرجانات التي يسمونها ، كرمس ، ( Kermesse ) ولكن ليس على حسابها الخاص ، بل على حساب التجار والاهالي الذين لا يكفيهم ما يدفعونه اثناء العام بدلا عن تعليم اولادهم ، حتى تأتيهم الضريبة الاخيرة في تهيئة المهرجان من جيوبهم الخاصة . فتتباهى المدارس متسابقة في عرض بضائع الاسواق بدلا من اشغال الاولاد وتبذر اموال الاهالي لتضيفها الى ارباحها الطائلة . وبدلا من ان تحصر مباهاتها في عرض
منتوجات التلامذة ، مظهرة درجة تفوقهم وتقدمهم ، توجد لهم سبل اللهو والمسامرة على حساب الغير ، وتضارب على المعاهد الخيرية المجانية التي هي وحدها الجديرة بالاحسان والرحمة .
وقد كثرت هذه المهرجانات هذا العام كثرة مزعجة لشتى المؤسسات ، دون ما فارق بين المعهد الذي يربي اليتيم ، ويأوي المتشرد ، ويهذب الفقير - وبين المعهد الذي يتقاضى الاجور الباهظة دون شفقة ولا رحمة .
وكم اود من الحكومة اولا ، والتجار ثانياً ، ان يقفوا في وجه هذه المعاهد المستثمرة فيمنعوها عن التسول وسحب لقمة العيش من فم اليتيم والمعدم ، ويجبروها على عرض منتوجات التلامذة لا منتوجات الاسواق ، ويحدّوا من اطماعها الى حد الاكتفاء بما تحصله من الاقساط الباهظة ، تاركين المجال للمشاريع الخيرية البحتة التي هي وحدها الجديرة بعطف الجمهور .
وكم نحن بحاجة الى المدرسة الصناعية للاناث التي تكفل المحافظة على مستقبل فتياتنا في تمهيد اسباب العمل الشريف الذي يقيهن عثرات الحياة .
وعسى ان تجعل الجمعيات النسائية اول اهدافها تحقيق هذا المشروع الجليل ، لان المرأة ادرى بحاجة المرأة ، ادبياً ، وثقافياً ، ومادياً .
فلتثابر المرأة على المطالبة بهذا الحق الى ان تنال بغيتها ، اذ لا يمكن ان يضيع حق وراءه مطالب .

