- يا ربة الحب والجمال ، يا سيدة البشر ويا قاهرة الارباب ، استمعي لطلبتي . طويلاً كفرت بك وبما تسبغين من نعم ، وطويلاً حاولت ان اقلل من شأنك ، فحاكيت السر الذي تضمنينه في خلائقك . لكني كنت كلما ازداد في مسعاي نجاحاً ، اشعر بتراجع في داخلي ، واحس بيدك تقبض على عنقي . طويلاً سخرت بك ، لكن ها انذا اعود الى الحظيرة .. فارأفي بي ، يا اجمل الجميلات ، يا وليدة الامواج ،
ويا فارشة الارض عند دعسة قدميك بالزنبق والياسمين .. ارأفي بي ، مرة واحدة ، واستجيبي طلبتي ..
واشتد من التمثال اقتراباً وتابع تضرعه بصوت جريح : تعرفين هذه المرأة التي تعاونا على صنعها ، فقمت بدوري واخرجتها كأحسن ما استطعت وبشكل لم اكن احلم به ، واحجمت عن اكمال عونك ، فحرمتها من اهم ما فيها ومن اشد ما كنت ارغب في بعثه فيها ، من كونها امرأة تحيا وتحب .. انها جميلة كحلم ، لكني المسها فاحس عوض الحرارة المتدفقة في جسدها بصقوعة مرة اليمة ، فانفخي فيها من لهيك .. مري شفتيها الورديتين لتتحركا ، وشعرها الذهبي ليتموج .. ابعثي فيها الروح ، واقلبيها امرأة ...
قال هذا ، وسكب البخور في المذبح ، وغسل ارجل التمثال بالاطياب . وابتسمت افروديت من عليائها ، فقد نالت الظفر . وانتزعت ما سكبه من بخور واطياب في عواميد ثلاثة متصاعدة ، ادرك بيجاليون انها دليل الرضى ، فسجد من جديد ، يبتهل ويشكر .
واسرعت افروديت ، كنسيم ناعس ، الى التمثال البارد في
حجرة بيجاليون . ولمسته بأناملها النورانية ، وقالت :
- ايها الكائن الجميل ، الذي صنعه خالقه على شاكلتي ، لكنه رغب في ألا يبقى كما هو ، مفضلاً جمالا حياً يذوي على جمال جامد لا يزول : فليتبدل جمالك الفني الى جمال حي .. ولتتحول خصل شعرك الذهبية الى ذهب ينقلب مع الايام الى المشيب .. ولتهجر شفتاك الصامتان جمالها الدائم الى جمال يعمر حقبته ثم يزول ..
ولتلن ذراعاك القاسيتان ، ولتسر فيها الدماء قبل ان يبردا من جديد ، والى الابد .. وليفق قلبك ، قلب المرأة فيك ، من سبات السلام الذي هو فيه ، الى جهاد الحياة ، الى الحب والغبطة ، والى الالم ...
ولما دخل بيجاليون حجرته ، بخوالج القلق في داخله امل حلو ، نظر الى تمثاله فألفى على شفتيه ابتسامة . لكنه وقف بدون حراك ، يمسح جبينه وكأنما يمحو اضغاث حلم .
- بيجاليون !
والتفت ليرى مصدر الصوت العذب الذي انطلق في سكون الغرفة المرير ، لكنه لم ير انساناً . وعاد الصوت من جديد :

- بيجاليون .. هذي انا .. ألا تريد ان تقترب مني ، يا شريكي في حياتي الجديدة ؟
انه التمثال .. تمثاله يتكلم .. صنع يديه يحادثه .. قد اصغت افروديت الى ابتهاله ، فحصلت المعجزة ، واصبح التمثال امرأة ! واهوى بنفسه على التمثال ، يتحسسه غير واثق ، ويمر بيده على انحاء الجسد ، هنا وهناك ، فاذا به يحس بالحرارة المكتنزة في ثناياه ، واذا به يؤمن ويصيح :
- غلاطية ، زوجتي !
... وباركت زواجهما افروديت .
