« الجمال هو الحق ، والحق هو الجمال ؛ هذا كل ما تعرفون في هذه الأرض ، وهو كل ما ينبغي أن تعرفوه » .
هذا هو جون كيتس ، الذي عرف أن الجمال والحق واحد ، وكانا في شعره واحداً .
« إنما الشيء الجميل غبطة دائمة . فحسنه يزداد ، ولن ينسى أو يزول » .
وهذا هو جون كيتس ، الذي ما زال شعره غبطة دائمة ، وما زال حسنه يزداد ، ولن ينسى أو يزول .
عاش في أوائل القرن الماضي ، وعاصر نفراً من أحلى شعراء أوربا وفنانيها ومفكريها ، مثل شلي وبيرون وغوته وبتهوفن وهيغل . وكان « أقرب الناس إلى شكسبير ، ولو أمدّ الله بحياته أكثر من هذه السنوات الست والعشرين للحق بسيد الشعراء إلى العتبة . على هذا يكاد يجمع النقاد » .
أحب فاني براوني ، وراسلها طويلاً . وقد جمعت مؤخراً رسائله إليها فإذا بها تملأ مجلداً ضخماً ، يفيح من طياته العطر ، ولكنه يختلط من حين إلى حين بصدى الحسرة والألم والخيبة .
من رسائله إلى فاني ننقل اثنتين :
-١-
يسعدني أن لم يتح لي إرسال كتاب خططته لك مساء
الخميس - فقد كان كثير الشبه برسائل روسو في «هلويز» . لكني اكثر تعقلاً هذا الصباح. فالصباح هو الوقت الوحيد الذي أجده ملائماً لأكتب فيه إلى فتاة جميلة أحبها أعمق الحب ، إذ في المساء ، حين يكون النهار الموحش قد انقضى ، وحين تكون الغرفة الخالية ، الصامتة ، البكماء ، تنتظرني وكأنها جدت ، لتستقبلني ؛ عند ذلك ، صدقيني ، تستولي عليّ العاطفة وتذهب بي كل مذهب .
إني لا أودّك أن تري ما يصيبني من رعشات ، كنت لوقت خلا أظن من المستحيل أن تحدث لي ، وكنت أسخر بها حينما تحدث لسواي ، خشية أن تظني أن البؤس بلغ بي أشده ، أو أن مساً من الجنون قد أصابني !
سائلي نفسك يا حبيبتي :
ألم تكوني قاسية بقهرك إياي إلى ذلك الحد ، وبسلبي حريتي؟
هل ستقرّين بذلك في رسالتك التي ينبغي أن تكتبيها في الحال ؟
إذا أردت أن تبذلي كل جهدك لتعزيتي وتسليتي ، فاجعلي في رسالتك من الطيب ما في الأزاهير ، فتبعث النشوة فيّ . أكتبي أرقّ العبارات ، وقبّليها ، كي يتاح لي ، على الأقل ، أن أطبع شفتيّ حيث كانت شفتاك !
أما أنا فلا أعرف كيف أعبر عن ولهي بامرأة لها مثل هذا الجمال : أحتاج وصفاً أكثر حسناً من قولي « حسن » ، وأكثر جمالاً من قولي « جمال » .
-٢-
أحلى الحلوات ، فاني :
تخافين في بعض الأحيان ألا يصل حبي لك الحد الذي ترغبين. إني أحبك ، يا فتاتي العزيزة إلى الدهر ، إلى الأبد ، دونما أدنى تحفظ . وكلما ازدادت معرفتي لك ، ازداد حبي .
وأنه ليزداد في سائر الظروف : حتى سويعات غيرتي ، كانت سكرات حبّ . وحين كانت أشد الحالات غيرة تتآكلني تآكلاً ، كنت على استعداد أن أموت لأجلك !


