في الاقطار المتمدنة التي حلت فيها الآلة محل الانسان ، والثقافة محل الجهل ، اصبح عهد الخدم في البيوت على وشك الزوال . وهي ظاهرة يستقبلها الاحرار بكثير من الاغتباط لانها تعني زوال لون من الوان عبودية الانسان للانسان .
في الاماكن العامة ، في المقاهي والفنادق ونحوها ، تجد الخادم المثقف الذي يعمل بشروط يحددها قانون العمل ، ويرى نفسه مساوياً للزبائن الذين يخدمهم ، فليس عليه ان يظهر امامهم بمظهر الخنوع والتذلل ، لأن الثقافة قد ساوت بين البشر ، ولا تعثر هناك على الحمّال الذي ينوء به الحمل . فاكثر المسافرين يحملون حقائبهم بأيديهم . وفي المحطة يسلموها الى صاحب عجلة يجرها الى التكسي الذي يريدون ركوبه ، أو يستغنون عنه وينقلونها بأنفسهم .
اما في المنازل وفي الاسر ، فالمرأة تتعاون مع الزوج والاولاد ، ومع الآلات الحديثة المختلفة ، للقيام بجميع اعمال البيت ، مستغنية بذلك عن الخدم النادري الوجود ، الباهظي الاجور . وبفضل التعاون بين اعضاء الاسرة ، وبواسطة الآلات والمخترعات التي تخفف العمل المنزلي الى اقصى حد ، تستطيع المرأة الغربية ان تعمل خارج البيت ، كل الوقت او بعضه ، وبذلك تشارك زوجها في الانفاق على الاسرة ، وتؤمن لنفسها تنويعاً في العمل واحتكاكاً بالمجتمع .
قد تجد الخادمة في بعض البيوت لكنها من نوع جديد . لا تُدعى كما في السابق « صالحة » اي صالحة لكل الاعمال وعاملة في كل الاوقات . بل هي الخادمة المتخصصة التي تخرجت من بعض المدارس المهنية . فهي تحمل شهادة في تربية الاولاد وتسمى مربية . او شهادة في التمريض وتسمى ممرضة . أو في الطهي وتسمى طاهية . أو في التنظيف والكي والترتيب وتسمى مديرة منزل .
مثل هذه الخادمة تعدّ نفسها مساوية لصاحبة المنزل . يخاطبونها بقولهم الآنسة أو السيدة فلانة . تعمل ساعات محدودة من النهار ، بأجور معادلة لاجور امثالها من العمال . تعود الى بيتها في المساء
أو تنام في غرفة خاصة بها من غرف المنزل .
حدثتني سيدة لبنانية مقيمة في انكلترا قالت : « اني مضطرة كغيري الى القيام بجميع اعمال المنزل ، يعاونني فيها زوجي عند رجوعه من عمله . وقد اجتأتني الظروف في بعض الايام الى استئجار خادمة تعمل بضع ساعات من النهار ، فدهشت ببراعتها وسرعتها في الشغل . انها تعمل في الساعة الواحدة ما تعمله الخادمة اللبنانية في خمس ساعات وذلك لأنها مثقفة متمرنة . لكني ما لبثت حتى صرفتها لاني لم اتحمل اجورها . »
في بيروت حيث مستوى الثقافة العامة اعلى منه في سائر المدن والقرى اللبنانية ، اخذت تلوح لنا تباشير نهضة في الطبقة العاملة ، وحركة تشبه السعي الى التحرر في طبقة الخدم . لكننا بصورة عامة نستطيع القول ان اهل هذه الطبقة لا يزالون يرسفون عندنا في قيود القرون الوسطى .
لا قوانين حكومية تحميهم اذ يستثنونهم من قانون العمل . يجهدون ليل نهار من غير انقطاع ، لا سيما في بيوت الترف والنعيم التي تدوم فيها السهرات حتى بعد منتصف الليل . يأكلون في ساعات متأخرة او غير منتظمة . يخاطبونهم باحتقار ، يرهقونهم بالاوامر ويضطرونهم الى التذلل والخنوع فتسوء اخلاقهم لسوء المعاملة ، وتسوء اخلاق الاولاد الذين يعاشرونهم .
رأيت مرة طالبة في الخامسة عشرة ، معروفة بوداعتها ولطفها في المدرسة ، تخاطب خادمتها بخشونة غريبة فقلت لها : « لماذا لا تخاطبينها بلطف ؟ أليست مخلوقاً مساوياً لك ؟ » فنظرت اليّ متعجبة كأنها تقول : « هكذا جرت العادة . »
ان انحطاط طبقة الخدم عندنا يعود الى سببين : اولاً ، جهل اصحاب هذه الطبقة وانحطاط مستواهم الثقافي والمهني . فلو كانت الخادمة افضل استعداداً للقيام باعمال المنزل لكانت افضل حالاً وارفع قيمة . والامر نفسه يصدق على مربيات الاولاد . فهؤلاء يجهلن عادة كل شيء عن اصول التربية ويتبعن فيها طريقة المحاولة والخطأ . ولو كن ذوات اختصاص في الموضوع لكان شأنهن في البيوت شأناً آخر ولكانت لهن الكلمة العليا والامر المطاع .
ثانياً ، قلة المهن النسائية في بلادنا وندرتها . وذلك ما يضطر بنات القرى والجبال ، الراغبات في العمل ، الى تحمل مشاق الخدمة في البيوت بأجور ضئيلة ، خصوصاً خارج بيروت . فاذا ازداد عمل النساء في المصانع والمستشفيات والمتاجر قلّ عددهن في المنازل وارتفعت هناك اجورهن وتحسنت احوالهن .
