قالت برباره يونج مؤلفة كتاب «هذا رجل من لبنان»: «دخلت على جبران، فوجدته جالساً الى مكتبه وبين يديه اوراق مبعثرة، تحمل افكاراً متنوعة لمواضيع متنوعة، ولما استقبلني مسلماً احسست ان روحه تنتفض في كفه مرحبة بي.
وجلسنا نبحث في مجاهل الوجود لنصل الى معالمه. جلسنا نحدد قيمة الاشياء وعناصر البشر. وكان جبران يعطي لكل فكرة برهاناً، ولما سألته عن قيمة الاشياء تبسم واخذ عن مكتبه ورقة صفراء وقال: ما قيمة هذه الورقة؟
فقلت: لا قيمة لها الا بالنسبة لما تستحق، ومع كونها لا تستحق شيئاً فلا قيمة لها.
فسكت جبران واخذ قلماً وراح يكتب على الورقة الصفراء، ولما انتهى قرأت قصيدة لم ادر كيف احدد قيمتها لانها خلاصة الرحمة والعطف اللذين بثها المسيح في اخيله، وهذه هي القصيدة!»
افتح بابك، يا أبت، افتح بابك!
أنا قادم اليك بصحبي أحسن الرفاق.
وكلهم يتوق الى الدخول لاننا جميعاً ابناء قلبك.
فافتح بابك!
*
ان يدي تطرق بابك يا أبت.
والى يميني اللص الذي صلب معي في هذا اليوم،
ولكنه روح لطيف، يطلب الضيافة في منزلك الابدي،
لانه كان جائعاً.. لقد سرق رغيفاً لأولاده الجياع.
فسجن ثم صلب، وهو عالم في نفسه،
انك ستسر بنور عينيه...
*
افتح بابك يا أبت افتح بابك!
ان المرأة التي قدمت نفسها محرقة للحب، قادمة معي.
انها تستر عري جسدها بردائي.
وتعري نفسها لترى السماء جراحها.
لقد رجموها وقالوا انها زانية.
والراجمون كانوا رجالا عرفوها جميعاً.
ولكنني امسكتهم عن رجمها لعلمي ان في قلبك ضماداً لجراح الذل
في نفوس الضعفاء..
ان البنفسج لم يذبل في عينيها، ونيسان ما زال على شفتيها.
اما يداها، فما برحتا تحملان غلة ايامك، وانها تنشد الدخول
الى بيتك.
*
افتح بابك يا أبت افتح بابك! ان رجلاً قاتلاً يأتي معي،
انساناً يفتر الفجر على وجهه،
بعد ان كانت حرارة الشمس على ذراعيه،
وعصارة ارضك تجري في عروقه!
لقد طلب لحماً لاسرته. والمكان الذي رمى به الطريدة،
حرّم اللحم فيه، وماذا عساه ان يفعل؟
وقوسه وسهمه جمعها الاستعداد للرمي؟
فلقاتل بصحبي الساعة، لان الفجر على الارض، صار زمناً للقتل.
انه يطلب الصباح لتنسكب الشمس على ذراعيه..
*
افتح بابك يا أبت افتح بابك!
اني اتيك بسكير! لقد حدّق كثيراً في الكاس،
فرأى نجومك منعكسة في الصهباء الشفافة،
فشرب وارتوى ليسمو عن الارض ويبلغ سماءك،
فسقط في الطريق لانه اندفع اعزل بدون ايمان،
ولما وجدته ساقطاً خارج الفندق، رفعته،
ومشى معي يضحك حتى نصف الطريق؛
والآن هو يبكي ولا يزال بصحبي، لأن اللطف جرح شعوره.
ان روحه عطشى للجلوس الى مائدتك، ولهذا جئت به الى بابك.
*
افتح يا أبت، افتح بابك!
ها انا مصحوب برجل مقامر،
انسان أراد ان يحول ملعقته الفضية شمساً ذهبية،
انه كواحدة من عناكبك، تنسج الشبكة
ثم تنتظر الذبابة التي كانت تصطاد الحشرات الصغيرة.
ومع ذلك فقد خسر ككل المقامرين.
وعلمت من عينيه ان فضته لم تتحول ذهباً ولم تظل فضة،
فدعوته الى صحبتي ينظر الى وجوههم لاننا اتون
الى الارض الخصبة وراء تلال الحياة،
انه معنا، لقد ترك ملعقته حباً بمرآك.
*
افتح بابك يا أبت، افتح بابك!
هوذا رفاقي! قد جئت بهم من القريب والبعيد
وكانوا خائفين لا يجسرون على المجيء معي،
ولما اعلنتهم عدلك ونعمتك،
صارت مخاوفهم تهاليل.
فافتح بابك ولا حاجة الى - جهنم ومطهر -
فانت والسماء باقيان،
والانسان على الارض ابن قلبك الكبير.