
ـ في الساعة العاشرة صباحاً ، في كنيسة المادلين ...
ان ريمون يحبني ولذلك فهو لا يمكن ان يكرهك . ستعيشين معي . معنا . بقربنا ؟
فرفعت اليها الفتاة بصرها الزائغ واجابت :
ـ سأحاول .. سأحاول يا اماه ! ..
وانحدرت الدموع من عينيها بالرغم منها ، فخجلت من نفسها واستدارت واسرعت بالفرار الى مخدعها وقد عصف بها اليأس .
★
واقيمت حفلة الزواج يوم الاحد في كنيسة المادلين ، وشاهدت روز امها امام الهيكل في ثوب العرس متأبطة ذراع ريمون . وكانت باقات الازهار التي قدمها المدعوون جميلة وكانت مأدبة العرس شائقة ، وكانت الضحكات والتمنيات والانخاب تحز في صدر الفتاة وتوغر نفسها حقداً على حظها وعلى الناس وعلى القلب البشري وما يحمل من قسوة وانانية .
ولم تستطع روز قضاء ليلة عرس والدتها في المنزل ، فباتت عند صديقة لها . وفي اليوم التالي ، عقب سفر العروسين الى ضاحية من ضواحي باريس لتمضية شهر العسل ، جمعت حقائبها ، وودعت خدم الدار ، واستأجرت لها غرفة عند امرأة عجوز في حي بعيد من احياء العمال في العاصمة .
وبدأت روز حياة الفقر والتشرد والاستشهاد . أصبحت مخلوقاً لا اسرة له ، ولا صديق ولا حبيب ولا رجاء .
استولت زوجة ابيها على عقله ، واستولى زوج امها على كل جارحة في امرأته ، وتناسى الأب والأم وجود ابنتهما ،
وانطلقت روز في عرض الحياة بمفردها ، تجاهد لتعمل وتأكل وتحتفظ بعفتها وتأمن الكوارث والاخطار التي تستهدف لها كل فتاة جميلة وحيدة .
وكانت لا تكاد تغادر المصرف حيث تعمل سحابة نهارها على الآلة الكاتبة ، الا لتعود الى غرفتها ، وتهيئ طعامها ، وتستلقي على الفراش ، اشبه بجثة هامدة .
وكان جمالها الرائع يطمع فيها الجميع . كان رفاقها في المكتب يتربصون بها ويدركون انها تعيش وحدها ويتبارون في محاولة اغرائها . كان رئيسها المباشر يضطهدها ويأبى الا ان يذلها في النهاية ويخضعها . كان يلفق عليها التهم وينسب اليها اخطاء العمل ويدس لها ويشي بها
ويهددها بالفصل ان اسرفت في التحفظ وبالغت في الصد والاعراض .
وكانت تقابل هذا كله بصبر عجيب ، وهدوء عميق ، وحكمة بالغة ، ورقة ساحرة ، وابتسامة ذليلة بريئة تهز النفس وتأخذ بمجامع القلب وتجرد اعداءها من سلاحهم وتخجلهم من محاولة الايقاع بها وهي انسان بائس ضعيف لا حول له ولا قوة .
ولم تستطع الثبات في وجهه بعض شباب العمال في الحي الذي تعيش فيه ، وفي النزل الذي تقطنه ، فقد كانوا يتحرشون بها ، ويثيرون صاحبة النزل عليها ، ويقتحمون غرفتها ، ولا يتصورون كيف يمكن ان تكون شابة وحسناء
