حركة الشوارع مستمرة حتى ساعة متأخرة من الليل ، والازدحام شديد والناس يسيرون ركضاً على الارصفة الواسعة ، وتتعالى الضجيج رغم ان السيارات تسير من غير تزمير ، ومع هذا تشعر ان النظام يحيط بك عند كل خطوة ولولا هذا لتعطل السير ووقفت الاعمال في هذه المدينة الجبارة .
يجري السير تحت الارض بواسطة المترو او قطار تحت الارض ، الذي يخترق قلب العاصمة كلها . وفوق الارض بواسطة الاوتوبيس الذي يقبل المترو في خطوطه لكن اسعاره اكثر ارتفاعاً . كل من سياراته الفخمة تستقبل عدداً معيناً من الركاب فاذا اكتمل العدد اغلق الممر بحجز ووقف الناس ينتظرون السيارة التالية وفي يد كل منهم رقم يشير الى دوره في الركوب . اما المترو فيقبل عدداً لا حد له ويتكدس فيه الركاب كالسردين .
وهناك عدا المترو والاوتوبيس سيارات التكسي والعربات والاوتوبيسات الخاصة بالشركات ومراكز الاعمال الكبرى .
اسماء الشوارع شديدة الوضوح ، كذلك ارقام المنازل والابنية ، الشفعية منها في جهة والوترية في الجهة المقابلة . باعة الجرائد والمجلات والكتب والحاريات وغيرها يحتلون خياماً خاصة بهم على الارصفة الواسعة في كل من الشوارع الكبرى ، فقلما تجد باعة متجولين يقلقون الناس باصواتهم او يعرقلون السير بعرباتهم . وللاعلانات اعمدة ولوحات خاصة فلا يسمح لها بتشويه جدران الابنية وسواها . صناديق البريد تحتل قلب الاعمدة التلغرافية وكل شيء مهيأ بصورة توفر المساحة وتحفظ للشارع سعته وللمدينة جمالها . كل بناية كتلة عظيمة قائمة بنفسها تحيط بها الشوارع من كل
ناحية فليس هناك ممرات لا منافذ لها . مياه المطر تتجمع في مجار تنتهي تحت الارض وليس هناك مزاريب مكشوفة تصب مياهها على رؤوس المارة .
في قلب المدينة تتجمع اهم المراكز الاثرية الناطقة باروع حوادث تاريخ فرنسا : ساحة الكونكورد الهائلة الاتساع ، جنّة التويلري ، بنايات اللوفر ، ساحة النجمة ، الانفاليد ، الاوبرا ، ساحة الجمهورية ، ساحة الباستيل ، ثم المادلين ، البانتيون ، السوربون . ساحات وآثار ومبان هائلة الحجم ، ضخمة الاعمدة ، ينطوي تحتها تاريخ طويل من البطولة والطموح والثورة والجهاد .
امام هذه الروائع الكثيرة العدد ، هذه التماثيل الضخمة التي تطل عليك من كل جانب ، هذه الشوارع الواسعة الممتدة ، لا يتمالك الزائر المنفرد الآتي من بلد صغير كلبنان ، لا يتمالك من ان يشعر برهبة وانسحاق ازاء هذا العالم الزاخر الذي كل ما فيه كحصن السموأل ،
« منيع يرد الطرف وهو كليل » .
باريس تستقبل السياح
ذلك وصف مجمل لمظهر باريس الخارجي . ولا استطيع القول ان داخل البيوت والمنازل والمطاعم يجاري خارجها في العظمة والترتيب والنظافة . فهناك كثير من الفنادق والمطاعم القذرة ، التي تعطي وجبة كاملة بمئتي وخمسين فرنك او باقل من ذلك . لكن الباريسيين ينظرون من السياح ان ينزلوا في الفنادق الفخمة المعدة لهم وان ينفقوا مالهم من غير حساب .
لان باريس مهيأة ابداً لاستقبال السياح . تعد لهم عدا الفنادق والمطاعم ، حانات الليل والملاهي الفنية الكثيرة العدد ، التي يقصدها طلاب اللذة من جميع انحاء اوروبا وغيرها ، وتدور فيها حتى الصباح اروع انواع الرقص والغناء
والعبث والمجون ، حانات مونمارتر والحي اللاتيني ومونبارناس ذات الشهرة العالمية والتي يتبارى في نقل اسمائها اصحاب الحانات البيروتية وغيرهم في كل مكان .
تهيأ لهم المسارح العديدة التي تنفرد بها باريس ، اذ ليس في الدنيا مكان يلقى فيه فن التمثيل العناية التي يلقاها هناك ، ووكالات السياحة التي تعد لهم اجمل السيارات المريحة لتقلهم في رحلات منظمة بصحبة الادلاء والتراجم ، لزيارة باريس التاريخية وباريس الحديثة وحانات الليل وضواحي باريس نظير فرسايل وفونتينبلو ، وقصور اللوار وكاتدرائية شارتر .
وتهيأ لهم ايضاً المراكب البخارية الخاصة بالسياح والمتفرجين ، التي تشق بهم نهر السين وتريهم ما على ضفتيه من بنايات وآثار . مراكب مزينة بالازهار ، معدلة الهواء ، تقدم فيها الاطعمة والمرطبات للمتفرجين ، على انغام الموسيقى ، فيمتعون عيونهم وآذانهم واذواقهم في آن واحد .
تعد لهم الادلاء من اشخاص ومن كتب ، فلكل متحف دليل ولكل [...]

