
انا لا انظر الى قضية المرأة كقضية خاصة بالمرأة . هي قضية الرجل في الوقت ذاته - هذا اذا اردنا ان ننظر لهذه المسألة الهامة بنظار التقدم الانساني والرقي الحضاري . واعتقد ان من ينظر الى تطور الحضارة في تاريخ البشرية بتجرد وبروح علمية صحيحة يجد ان ادوار النهضات والتقدم عند الامم انما ظهرت في العهود التي كان فيها التعاون وثيقاً بين المرأة والرجل . وما قضت الظروف ، او انانية الرجل ، ان تنكمش المرأة عن العمل في المصالح حتى بدأت ادوار انحطاط الحضارة وتوقف سير التقدم في تلك الامة - ذلك لان الخالق الحكيم عندما خلق المرأة انساناً لم يخلقها لعملية التناسل وحسب كما يعتقد البعض ، ولا لتربية ابنائها هي . لا لم تخلق المرأة وقد وضع الله في نفسها تلك العواطف الرقيقة السامية لتكون انانية فلا تهتم الا بابنها بل لتعدل ما في الرجل من قوة قد تبلغ القسوة ، وبأس قد يبلغ الخشونة ، فتتفاعل بما امتازت به من صفات مع ما في الرجل من ميزات ليخرج المجتمع الامثل الذي يحقق السعادة وينقذ السلام .
انني اعتقد ان الله لم يقدر الكمال في الرجل ولا في المرأة ، ليشعر كل منهما بضرورة التفاعل الحيوي والاجتماعي مع الآخر . والا فقد المجتمع كل امكانيات التقرب من الكمال . فلا تستطيع المرأة ان تدعي قدرتها وحدها على اصلاح المجتمع ولا يستطيع الرجل ذلك . والوقائع التاريخية اصدق دليل على صحة ذلك .
تدمج ذلك في حقوق المجتمع ولذلك تعمل وحدها في المطالبة وتكتفي بمجاملة بعض الرجال . فكأنها في مطالبتها تريد ان تعمل لمجتمع نسائي غير مجتمع الرجال . وهي هي الخطيئة التي وقع فيها الرجال فرأوا ان تنزوي المرأة في بيتها، ولعل بعض التخوف الذي يظهر عند بعض الرجال انما منشأه الشعور بهذا الاتجاه . ويؤيد ذلك ما ورد في تاريخ اليونان من ان المرأة فقدت حقها في الانتخاب في زمن بريكايس عندما تضامن جميع النساء على تسمية اثينا فلم يستطع الرجال ان يقابلوهن بتضامن مماثل لتأثير المرأة القوي على نفس الرجل فسميت اثينا ، اثينا ، بنتيجة ذلك التصويت . فاصدر بريكايس امراً بمنع المرأة من التصويت ... اعود لما بدأت به وهو ان ننظر الى قضية المرأة كقضية اجتماعية تهدف الرجل والمرأة معاً في مجتمع يتحقق فيه التعاون الصحيح . ولن تحل هذه القضية الا على ضوء مصلحة المجتمع برمته لا لمصلحة المرأة وحدها ولا لمصلحة الرجل وحده ، لذلك سبق لي وقدمت عدة مرات اقتراحاً للدوائر الثقافية والاجتماعية بضرورة عقد مؤتمر علمي يدرس قضية المرأة على ضوء الوضع الاجتماعي في جميع البلدان العربية عامة ولبنان خاصة . لانها في نظري قضية هامة لا يجوز ان تترك للارتجال .
سؤال : يقول البعض باعطاء حق التصويت والانتخاب الى المرأة المثقفة فقط . وانتم تعلمون ان المصوتين من الرجال ليسوا كلهم مثقفين - كيف تقررون هذا الاجحاف ؟
جواب : اعلل هذا بما ذكرت في مقال نشرته عن المرأة وخلاصته انني ارى هذا الرأي مراوغة من الرجل لتأخير القضية بقوله : ان هذا الحق للرجل هو حق مكتسب والقانون صدر هكذا !! ومتى كان للقوانين حق التحكم بالتطورات الاجتماعية ؟ انني اعتقد ان القوانين تتكيف حسب حاجة المجتمع وتطوراته ولا استطيع ان أفهم كيف يصبح الاجحاف حقاً مكتسباً - وهنا يجوز التساؤل لماذا وجدت الندوات التشريعية ، ان لم يكن لتعديل القوانين ؟ ان هذه المشكلة لن تحل حلاً انسانياً صحيحاً الا بالمساواة . ان الرجل الجاهل لم يحرم من التصويت عندما اعطي هذا الحق لكل الرجال . لهذا لا يجوز تقسيم النساء الى طبقات عندما يعطى لهن هذا الحق واذا خشي الرجال ان تثب المرأة للوظائف فلا يستطيع اقصاء من ليست جديرة بالوظيفة عنها على ما قضت به السياسة الطائفية - مثلاً - فنضطر لمراعاة
