في مطلع هذه السنة اطلت الاديبة سلمى صائغ على عقد جديد من عقود العمر فاقترح عليها موجه القسم النسائي في محطة الشرق الادنى ان تذيع على المستمعات في العالم العربي شيئاً مما علمتها الحياة فقالت:
ها انني التفت الى الوراء، التفت الى عمر ذهب منه اكثر بكثير مما بقي. ها أنا ذي ألمم اخلاصي، ووفائي الى الحقيقة، ورغبتي في الخير، ألمم شوقاً الى الصدوف عن الشر، وتعبداً لم ينقطع الى المثل العليا، ها أنا ذي اجمع كل هذا باقة ورود انثر اوراقها لتطير الى كل بيت من بيوت لبنان والى كل مخدع في الدنيا يضم امرأة تتكلم لساني هذا العربي.
علمتني الحياة ان العمل هو نعمة النعم، وان شقاء العالم الراهن انما جاءت به هذه الفئات، تنعم برغيف يسحبه من الارض عرق الصعاليك!
علمتني الحياة ان الامومة تعطي ولا تأخذ، اذا ما حسبنا انها تعطي بحوراً وتأخذ قطرات. شاهدت هذا السخاء في كل من حولي وفي كل بلد زرته منقبة دارسة فلم يخطئ الحساب مرة! لقد اعطت جدتي امي بحوراً، فحملت ما وُهبت الى ابنائها ــ وأنا الرابعة عشرة فيهم ــ وبدوري وهبت كلما أعطيت الى ابنتي، وها هي تبني من حياتها حياة ولدها. لقد كانت كل منا، نحن النسوة الاربع، موهوبة واهبة، وكان الأخذ من الام ــ على الدوام ــ ديناً يؤدى الى الولد الآخذ لا الى الأم الواهبة. ومن هنا، من نكران الذات هذا، أحاط البشر بلفظة «الأم» هالة القدسية. لقد مررت في حياتي على عشرات من الامهات السعيدات، وعلى مئات من الامهات المتروكات، فلم اسمع اما بائسة مغبونة الا متمتمة بما يشبه الصلاة:
«ربي رفقاً! حوّل عذابي هذا الى نعمة وصبر جميل، لان المرارة في قلب الأم تنزل لعنة على رؤوس الابناء!!»
علمتني الايام ان المرأة جسد وروح، وان للحياة الجسدية
شريعة قهّارة. وان الكبت يتحول الى يأس ان تجمعت حوله عناصر الغربة والوحدة اصبح الألم لا يرحم ولا يهدأ، وان خير ما تفعله امرأة حرمتها الحياة حقاً طبيعياً تسعد به الانعام والحشرات والنباتات، اقول ان خير ما تفعله المرأة هو ان تعلق عملاً انسانياً تنصرف به عن جوعها الى الحبّ والى الامومة، على ان تأخذ لنفسها فترات تلهو بها اما بفن، او باسفار، أو بملاء بريئة.
علمتني الحياة ان الاخلاق المثلى ــ تلك التي تلذ معها الحياة، حياة رجل وامرأة يعيشان في بيت واحد وبوتان في بيت واحد ــ لا تنحصر بالنساء دون الرجال ولا بالرجال دون النساء. عاشرت في حياتي نساء يصح ان يكن منارات هدى وعاشرت رجالا لا غبار عليهم ــ على اني عدت بهذه النتيجة وهي ان عدد النساء الفضليات اكثر من الرجال الافاضل. فمن عشر نساء ــ مثلاً ــ اعد ثماني فاضلات ومن عشرة رجال اعد خمسة. اما بين الراسبين في عملية الغربلة هذه فان الميزان الخلقي يميل الى جهة النساء. لان كل النساء مضحيات على مذبح الامومة، ومن هنا ميزتهن.
والرجال؟؟
اقول ولا اضع يدي على قلبي لانني جريئة في قولة الحق. الرجال ــ بعد ان اضع جانباً اولئك الذين يؤلفون الصفوة المختارة ــ ان من لم يك منهم ضعيفاً فهو صياد، هدّام للبيوت المستورة، ومن كان عفيفاً فقد يكون مقامراً. ومن كان في نجوة من القمار فقد لا ينجو من مرض السكر ومن لم يكن سكيراً فقد يكون مقتراً ومن ليس مقتراً فهو من المبذّرين الذين لا تطرق قساطلهم الا خارج الدار!! ومن خلص من شر التبذير فقد يحمل في دمائه جرثومة من تلك... تلك التي تجيء بذلك النسل الفقير الهزيل... جحيم النساء والامهات!
وقد ينجو الرجل من كل هذه الآفات، ولكن آفة لن ينجو منها، وهي الانانية.

