ينبغي لك ان تعلم ، يا سيدي ، ان بلادنا لم تكن دائماً ميتة كما هي اليوم . بالامس كانت فيها حركة كبيرة على الطاحون ، وكان الناس يأتوننا بقمحهم من القرى القريبة والبعيدة لطحنه فيها . وكانت هذه الربى المحيطة بنا مغطاة بطواحين الهواء ، فكيف نظر الناظر يمنة أو يسرة رأى اجنحتها تدور فوق الصنوبر والسنديان ، ورأى الحمير مثقلة باحمالها صاعدة هابطة على الدروب . وكانت فرحة حقاً طوال الاسبوع ، ان تقع العين على هذه المشاهد وان تسمع الاذن صفقات القضبان يسوق بها المكارون دوابهم ، فاذا جاء الأحد ذهبنا جميعاً الى الطواحين ، فيقدم الينا الطحانون الخمر المعتقة اللذيذة . وكانت بناتهم جميلات كبنات الملوك بشالاتهن الموشاة وحلى الذهب في نحورهن . فنبقى حتى آخر الليل نشرب ونغني ونرقص ... صدقني يا صاحبي ، لقد كانت تلك الطواحين بهجة بلادنا وثروتها .
ولكن ما الحيلة ؟ فذات يوم خطر ببال جماعة من العاصمة ان ينشئوا في بلادنا طاحوناً على البخار . ولكل جديد جاذبه ، فأخذ الناس يرسلون قمحهم الى طاحون البخار وتعطلت طواحين الهواء المسكينة عن العمل . ولقد حاولت المقاومة فترة من الزمن ، ولكن اخيراً تغلب البخار على الهواء ، واضطرت الى اقفال ابوابها ... وانقطعت الحمير عن صعود الدروب وهبوطها ، وباعت بنات الطحانين حلى الذهب ، ولم يبق من الخمر المعتقة اللذيذة الا الذكر . ولتهب النسائم ما شاءت فان اجنحة الطواحين فوق الصنوبر والسنديان جامدة لا تتحرك .
ثم كان ان امرت البلدية بهدم هذه الاكواخ وتحطيم اخشابها . وزرع الزارعون مكانها الكرمة والزيتون .. الا طاحوناً واحداً ظل قائماً وسط هذه الانقاض رغم انف الجميع ولم ينقطع عن
الدوران ، هو طاحون المعلم « كورنيل » هذا الذي نقضي فيه سهرتنا الليلة .
★
كان المعلم كورنيل طحاناً قديماً يعيش منذ ستين سنة في الطحين ، وكان يحب صنعته حتى العبادة . فما ان انشئ طاحون البخار حتى ضرب على رأسه فاصبح كالمجنون وقضى اسبوعاً يركض في القرية فيؤلب الناس عليه ويصيح فيهم بكل قوته ان الجماعة يريدون ان يسمموهم بطحين طاحون البخار . وكان يقول :
- لا تذهبوا هناك . فهؤلاء اللصوص يستخدمون البخار لصنع الخبز ، والبخار اختراع الشيطان . اما انا فأشتغل على النسائم التي هي انفاس الله .. !
واشياء اخرى كثيرة كان يمتدح بها طواحين الهواء . ولكن احداً لم يسمع له .
حينئذ اخذه حنق يائس فحبس على نفسه في طاحونه وعاش وحيداً كحيوان من الوحش . حتى انه لم يرض بأن تبقى حفيدته « فيفيت » الى جانبه ، وهي صبية في الخامسة عشر لم يكن لها في الدنيا من تلوذ به سوى جدها بعد ان توفي ابواها وهي صغيرة . فهامت المسكينة على وجهها في القرية وفي الجوار تساعد في الزرع وفي القطاف وفي العناية بالابقار كاسبة خبزها اليومي بالجهد الجهيد . مع ان المعلم كورنيل كان يحبها حباً جماً ، وربما قصد اليها من قرية الى قرية فاذا التقاها قعد قبالها وقضى ساعات ينظر اليها ويبكي ...
وساءت حال المعلم كورنيل ، وذل بعد عز ، فكان يمشي في الطرق في اسمال بالية ، وقبعة قذرة ، وحذاء مخروق . واذا

