ان طول حياة الانسان ، وسعادته فيها ، له وعليه ، لا دخل للاحوال والظروف فيها ، لأن الذين يبحثون عن حتفهم بانفسهم ، ويبدلون بلسمهم بسمهم ، لاكثر من ان يحصوا ، وهم يزيدون عدداً على اولئك الذين تسوقهم الاقدار الى المنية ، ويظلمهم الدهر بحكم نافذ وقضاء مبرم .
فلا بدع اذن ، اذا قال سنيكا الفيلسوف الروماني القديم ( ان الدّ عدو للانسان هو ذلك الكامن بين حنايا ضلوعه ، المتربص في صدره ) . ولا يصعب علينا بعد ذلك ان نرى لابرويد يقول : ( ان كثيرين من الناس ينفقون اوقاتهم ، ويبذلون قواهم في سبيل اشقاء بني جنسهم واتعاسهم ) ، هذا من حيث الشر الصادر عن الانسان . ولكن هنالك آفات لا تلسع فقط بل تلدغ من يلامسها ، وهو لا يوجس منها ادنى خيفة ، وكأنه يدري ولا يدري ، فكم من عظام شيخ بالية تتألم لما عاجلها من الانحلال ، وتتظلم من دم الشبيبة الفائر الثائر الذي عرضها لما كان يجب انقاؤه ، فبعد ان فاز هو بما اشتهى بطلب الشيخ القوة في ابان حاجته اليها فيصفق صفقة الحسران وبعض اصابع الندم لما جازف بها ايام شبابه ، فقد باعها كاملة بدراهم من اللذة الزمنية ، فندم ولات ساعة مندم .
فيجدر بنا والحالة هذه ، ان لا ننظر
الى الحياة الا من جهة حسناتها ، طاوين نسخاً على سيئاتها ، وقد يتاح لنا ان ننفي وجود المصائب والكروب ، باهمال كلمة لو ولولا ، ولعل وعسى ، لأن امرّ الكلمات التي يتعثر بها اللسان ، ويثقل سماعها على الاذن ، وتنقبض عند قراءتها النفس هي : ليتني فعلت ! ليتني لم افعل ! سنحت لي الظروف ولم افعل ذلك ... الخ .
وكثيراً ما يكون الشر الموهوم ، هو الخير المحقق ، حاصلاً في غير محله ، مثال الطيش والتهور ، ازاء الشجاعة والاقدام ، والسخف والضعف ، ازاء المحبة والرأفة ، والبخل والتقتير ، ازاء الاقتصاد والاعتدال ، وذلك لأن لكل شيء زماناً ومكاناً لا يحس الا بهما . ومن البديهي ان تزل القدم بماش فيقع ويطحن عظمه ، والطبيعة لا تعرف الرحمة ولا المحاباة ، وما ذلك الا القضاء المحتّم .
انه لمن المحقق عند علماء العصر ، ان هفوات المرء وزلاته ، سواء أتت عمداً ام عفواً هي وحدها المدعاة لمصائبه وبلاياه ، أو ليس من الجهل والخطأ ما نعرفه حتماً وخيم العاقبة ولا نرتدع عنه ؟ وما يغمض علينا امره ، فتسول لنا النفس الاقبال عليه ، دون أية بصيرة عن نتائجه ؟ ولا ننسى ان في الطبيعة البشرية ذلك الضمير المدعو ( بصوت الله في الانسان ) وهو خير وازع ورادع للمرء ، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر .
ولنا ايضاً في قوة الادراك وقوة المقابلة والتعديل ــ وهما قوام الحكم والاختيار ــ معين آخر يرشدنا الى الحسن ، ويبعدنا عن السيء ، ولا شك في ان هذه
القوى لا تخلق في المرء على غاية من الكمال ، بل ان التثقيف بالعلم والاختبار ما يدنيها من الكمال اللازم ، حتى تميز الغث من السمين ، والطيب من الخبيث .
فليسهل على المرء تجنب الكثير من هذه المهالك والمصائب عليه ان يتمسك بما لقنه اياه ابواه ، وبما اوصياه امره من خالص النصح وسديد الارشاد . على ان هذا وحده لا يكفل اتقاء العثرات ، وانما الحكمة كل الحكمة في ان يعرف المرء ان له نفساً هو نفسه المسؤول عن تهذيب اخلاقها وترهيف عواطفها وتثقيف مواهبها .
فلا يغترنّ اذن خريج مدرسة ، باحرازه قصب السبق على اقرانه ، وبنيله شهادة او رتبة علمية ، فان الاختبار قد كشف القناع عن حقيقة نيرة باهرة ، الا وهي ( ان المنتهي من المدرسة هو المبتدىء في العالم المنخرط في سلك كثيرين من امثاله ، وعليه كغيره ان يفتح ابواب صدره من جديد ، وهذه المرة على مصراعه ، ليتلقى الدروس التي يلقيها الزمان ، والتي تلقنه اياها الايام . )
فعلى الانسان ، الذي هو الانسان ، أي رب امور نفسه ، عليه ان يجعل حياته مواكب فوز وانتصار ، وحسبنا ما وهبنا الله من عقل ومنطق وضمير حيّ ، هم لنا بمثابة خبير سديد الرأي . ولا يعني ذلك ان يحصر اجتهادنا طمعاً بتحقيق آمال الافتخار ، فان الجادين في اثر الاعمال المجيدة حباً بالمجد والشهرة لا غير ، لقلما يفلحون ، اذا لم يشمل جدهم التفاني في خدمة الحق والحقيقة .

