هنأتها بهذا الالتفات الضروري في محله
اجابتي : « لم يكن لي في اول الامر
خبرة واسعة بانتقاء الكتب لمن كان في
سن اولادي ، فلم ار ضيراً عليّ ان
استشير من هم اخبر مني فيه ، كمعلمهم
مثلاً . وكنت دائماً اشوق اولادي للتعلق
بالكتاب ، فاعودهم النظر اليه بكثير من
الاهتمام ، وبشيء من التقديس . فكنت
اتعمد الاقتصاد امامهم بامور متعة واشتري
الكتب للمكتبة وقد نجحت خطتي اذ
اصبح اولادي يقدمون المتعة بالكتاب
على أي متعة اخرى » .
والعالم الراقي سبقنا اشواطاً بعيدة في
هذا المضمار ، وعرف اهمية مكتبة البيت
في تربية النشء ، فأعدها له غنية بشكلها
ومحتوياتها حتى اصبح عند الاطفال ما لا
يحصى من الكتب المخصصة لهم لتثقيف
عقلهم وتهذيب نفسهم وتربية اخلاقهم فقد
ثبت ، ان الاكتفاء بالكتب المدرسية للحدث ،
ليس السبيل الناجع في تنمية خياله
وتوسيع اختباراته . والولد الذي
لا يرى امامه سوى كتبه المدرسية اذا
كان ذا طبع مبال الى الكسل ، ضجر
منها ، ورمى بها بعيداً ، واذا كان مجتهداً
محباً للدرس تحجرت عقليته واصبح لا
يفهم من الثقافة الا ناحية واحدة ، هي
الناحية التي اكسبته اياها كتبه المدرسية
الجافة .
وبهذه المناسبة اقول اننا في لبنان
مقصرون نحو نشئنا ، فنحن فقراء فقراً
مدقعاً بكتب المطالعة التي تصلح لأولادنا ،
ولولا اعتمادنا على الكتب الاجنبية من
جهة ، وعلى الكتب العربية التي صدرت
مؤخراً في بعض البلدان الشقيقة ، لكنا
لا نجد كتاباً يصلح لأولادنا ندفعه اليهم .
واذا قلت اننا مقصرون ، فلا احمل
تبعة التقصير جهة معينة ، بل كلنا فيها
مشتركون ، فالادباء مقصرون لانهم لا
يضحون بشيء من جهودهم العقلية في
سبيل هذه الناحية ، واولو الامر مقصرون ،
لانهم لا يشجعون التأليف فيها ، والاغنياء
مقصرون ، لانهم لا يؤسسون داراً كبرى
للنشر يغذونها باموالهم ويؤدون بها خدمة
جلى لنشء بلادهم .
اما ان نبقى كما نحن ، تسيطر على
مكتبة البيت عندنا ، كتب اجنبية لا يقع
فيها المطالع الناشيء على أي لوث من
الوان الحياة في بلاده ، ولا تفي بحاجته
النفسية ولا الوطنية ، فذا لعمري منتهى
العجز ، في بلد يريد ان يحافظ على مكانته
تحت الشمس .
ان مكتبة البيت عندنا كائنة ولاشك
نسد بها جوعنا للمعرفة ، ونروي ظمأنا
اليها ، ولكن نوع الطعام الذي نأكله ،
ونقدمه لأولادنا ، والشراب الذي نستسيغه
لنا ولهم ، نحس فيه طعم الغربة عن محيطنا
واجواء بلادنا .
فمكتبة البيت اذاً بحاجة الى ما يغني
ثقافة اللبناني كلبناني ، والى ما يحلى به
جو الطفل اللبناني كطفل لبناني في الدرجة
الاولى .

