لو قيل لي : ها هو داخل من هـذا الباب ، لصدقت ، لو قيل لي : انه في هذه القاعة ، لناديته باسمه ، لفرط ما هو عندي لا يزال حياً . فالمرء لا يموت عندما يترك مثل هذه الذكرى ، والمرء لا يموت عندما نرعاه مثل هذا الحنان .
ليس الموت بان نستحيل الى تراب ، انما الموت ان تتلاشى في الخواطر والقلوب . قلّ في الرجال من كان في خلق هذا الرجل . قلّ من كان في مثل امانته ، وبساطته ، وصدقه . قلّ في الرجال من كان في مثل حديثه المستقيم ، الساطي على الاسماع بقوة الاقناع ، الصافي الشفاف كأم الينابيع .
لو قيل لي : ها هو آت ، فلا اتردد في ان اصدق . فصوته وحركاته لا يزال كل منا يألفها . واني لأعلم انه يعود بين الحين والحين ، فنجده في وسط من كان يحب وفي وسط من يحبونه . واني لأراه ، كما يراه كل منكم ، مشرق الوجه ، باسط اليدين ، يردد باسماء عبارات الود والترحاب .
ان العاطفة الحية تخترق حجاب الموت . وهل الموت الا حياة أبعد غوراً من الحياة ...
الاشخاص الذين هم علينا عزيزون
وعنا يرحلون ، لا يموتون ، لان ما خلّفوه من ذكريات وما خلفوا فينا من حنان يكوّن انفاسهم ويحرّك رثتهم ، ويسكب النور في عينهم الخالية من الحياة .
اذا لم نعد نؤمن بالموت لما اصبح الموت الاغنية ، انتظار عودة ، غروب شمس تبشر بالفجر والصباح .
حالما يبدو الحب يتلاشى الموت ، ويطفو على الموت الايمان ، وينير الامل مقرّ الراحة الخالدة . ان كان هنالك من شيء لا يفنى ، فانما هو الحب ، الحب الذي هو غاية وجود الروح وجوهرها .
ان الصديق الذي نبكيه تحلى بأسمى فضائل الرجال . تحلى بالشجاعة ، وروح الانصاف ، والزهد ، واحتقار الدنيا ، كان ينصر الضعيف ولا يخاف الا الله . كان يسلك طريقه محفوفاً ببركة الشعب . كان مستعداً ابداً لان يبذل حياته في سبيل امر حق . ونحن شهوده . رأيناه في ساحة العمل . لقد عشنا بجانبه ساعات طوالاً ، وكان يفتح لنا قلبه .
عرفناه في الحكم ، مثال الاتزان الذي يتطلبه الحكم ، لا يجابي ، ولا يتبجح ولا يتكبر . وعرفناه في مرارة الخيبة ابيّ النفس ، كريماً ، محترماً ، لا يتحول ولا يتبدل ، يردّ كل امر لمشيئة الله ، صبوراً في المحنة ، صموتاً في الفوز ، يسمو بعظمة نفسه . عرفناه يحمل بين جنبيه نفساً قوية في الضراء بقدر ما هي كريمة في السراء . فلسنا نشاهد كثيراً من الرجال كعبد الحميد كرامه « ان الزمان بمثله لبخيل » .
وحسب المرء ان يضم شخصاً نظيره
مرة بين ذراعيه لكي ينعم بعاطفة من الاطمئنان والقوة . فمن هو معه لا يخشى الحياة ، فانه ليهون عليه ان يلقي بنفسه في اليم من ان يتخلّى عن صديقه . وهو من وراء الموت يعلّم ابناء بلاده الثبات واحترام العهود، والتضحية في سبيل المبدأ .
فمثل هذه التعاليم ومثل هذه الامثال لمما يحفظ في تراث الامة . وهذا الرجل العريق في اصله كان يحب الحياة بقدر ما كان يعرف ان يزهد فيها . كان يلاقي راحته في ربه ، واننا لفي ربه نطلبه .
وفي زمن سطا فيه الشك على العقول، كان ايّ نه عظيما ، لا يتزعزع ، بعيد المدى حتى اللانهاية .
فالمركز الذي كان يحتله عبد الحميد كرامه ، أين من يملأه ؟ نحن نفهم ان طرابلس تبكيه ، ولكن ليست طرابلس وحدها تبكيه ، وانما بيروت والجبل وهذا البلد ، وهذا الشعب على اختلاف الوجوه يسمع نحيبه ومراثيه ، فنعيه ، عبر لبنان والى تخوم العالم العربي ، كان له الصدى البعيد .
قدّر الله لآله الكرام ان يجدوا في مثل هذا المقدار من الحب والاحترام ، اوفى وسائل التعزية ، وقدّر لبنيه وجميع الذين يعقبونه ان يتعاقبوا على فضائله ومزاياه . ولتكن ذكراه قدوة لهم ، وليمنّ عليهم الرب القدير بلسم العزاء ، ليس ازاء وفاة مثلى ، بل ازاء الحياة التي تدوم .
اللهم اجعل نفسه ببلوغ آماله مسرورة . والحمد لله الذي لا يردّ في حكمه ولا يراجع .
