الجرحى، ولمها الطبيب توآسي ابنة كانت تبكي فقال لها : « الأفضل أن تهرعي إلى التلفون وتطمني أهل هؤلاء الفتيان والفتيات عما حدث، خشية أن تكون بعض الشائعات قد وصلت آبائهم فسببت لهم انزعاجاً . »
فترددت سيدة القصر هنيهة ثم قالت : « ألا تعرف أيها الطبيب أنني عزلت نفسي عن الناس ولذلك يتعذر علي محادثة أحد منهم الآن ؟ » فألح الطبيب عليها أن تبادر إلى أخبار الوالدين عن صحة أولادهم، ودفع إليها قائمة الأسماء وطلب إليها أن تنفذ ذلك بالنيابة عنه. وتجهم وجه سيدة القصر عندما عرفت من اللائحة أن الفتاة التي كانت تؤاسيها هي ابنة ذلك المدير الذي خطب ودها في سالف من الزمن. ولكن الموقف لا يسمح لها الآن للانتقام أو التشفي ...
ولشد ما تركت غيرة هذا الطبيب الأثر الكبير في نفس سيدة القصر، فتنبه فيها الحس الاجتماعي واستيقظ ضميرها الإنساني. فتولدت فيها رغبة لمتابعة الخدمة الإنسانية ولمواصلة العمل الخيري. وتقدمت في اليوم التالي من الطبيب تعرض عليه خدماتها وجميع إمكانياتها، وأخذت تروي له قصة حياتها وبواعث عزلتها وسلبيتها. غير أن الطبيب قاطعها بقوله: « ولكن البارحة عملت عملاً آثار أعجاب السكان. وها هي الأيام أمامك تقدم لك الفرص العديدة للعمل النبيل والخدمة الإنسانية .. » وتركها الطبيب وذهب لمواصلة عمله، أما هي فخرجت إلى الشرفة وأدارت نظرها إلى المزارع والحدائق، وقالت: « أنني سجنت نفسي ضمن جدران قصر عظيم لكن لم أحصل على سكينة نفسي وسعادة روحي .. لقد أصبحت مقتنعة بأن هذا القصر يصلح أن يكون مستشفى فلا تقتصر منافعه علي بل يتمتع بها جميع أهل الناحية .. وأني
استطيع أن أظل قريباً منه إذ ابني لي مسكناً متواضعاً على قطعة من الأرض تجاوره ! »
وتوجهت سيدة القصر إلى الطبيب وقالت : « أن تعهدت أن تشرف على إدارة هذا المستشفى فسأضع القصر كله تحت تصرفك ! » وما هي إلا بضعة شهور حتى عرف سكان تلك الناحية أن القصر تحوّل إلى مستشفى وأن سيدته اقترنت بالطبيب وأن الاثنين أخذا بتعاونات على الخدمة الإنسانية وتخفيف أوجاع المرضى والمتألمين.
ويبرز مستشفى البقاع يحمل اسم سيدة القصر، وتناقل الركبان حديث هذا القصر وتحوله إلى مركز للعمل الإنساني. وما عتم أن أصبح مستشفى هيفاء محجة المرضى الوافدين عليه من مختلف الأقطار والنواحي. ولا غرابة فهو تقدمة سيدة أغلقت أبواب قلبها في وجه العالم لكنها عادت في النهاية ففتحته، وسرعان ما وجدت سعادتها في الخدمة الإنسانية والعمل النبيل غير متناسية فضل ذلك الطبيب الذي فتح قلبها وأرشدها إلى طريق الحياة المثالية والسلام.

