

إنك، يا قارئتي، لمن السابحين في
أمواج الأنوار العلوية.
إنك، عندما يمزّق بهاء الفجر ستائر
الظلام، تتمتع بألف متعة وألف فريدة،
من منظر لآلىء الندى، بصّاصة فوق
زمرد الأوراق، إلى كتائب الأغنام
تتلاصق وتقرر فتندفع أمواجاً بيضاء فوق
السهول المقطّعة بكل سلالم الألوان،
إلى التلال تلاصقت مناكبها وكأنها تتهامس
بأحداث الأزمان الغابرة، إلى طرقات
الأسفلت اللماع تنساب بين الأودية
والسفوح وتلتف دائرة قرب القمم، كأنها
جرّة قلم الأثمد تحت أهداب عروس سمراء
إلى هذا الأزرق الموّاج، كان الغمام
قد غطس فيه وصبغه بزرقته، إلى نيران
الشمس تطلّ فاترة في الصباح وما إن
يلامس القرص رؤوس صنين حتى نشهد
الأعجوبة الأزلية، تعاد كل يوم، وكل
يوم تدفيء الأرض فتُدرّ على البشر
نعمة وحياة.
أو تدري يا قارئتي معنى هذا كله؟
إنك يا قارئتي ما تبرح في ضجر وغم!
فالبيت لم يُدهن كما تشاء.
والسيارة تأخرت ربع ساعة.
وعملك في أوروبا أو أميركا أرسل
لك البضائع ناقصة.
وابنك، ـ الذي يملك عينين وفي
مقدوره أن ينحني فوق الكتب عشر
سنوات ـ سقط في الامتحان.
وحماة بنتك لم تلبسها يوم الزفاف
القلادة التي أمّلت.
وأنت ـ يا قارئتي، ألستِ في همّ مقيم
لأن سيارتك قديمة؟ ولأن البيت الذي
تسكنين يخلو من حمام عصري؟ ولأن
معصمك العاجي لا يطوّقه سوار من الزي
الأخير؟ ولأنك مضطرة إلى رفّ
جوارب زوجك وأولادك؟
عزمت عليك عندما تمرّ هذه الخواطر
في رأسك وتضع على صدرك كابوس
النقمة أن تنظري إلى الطريق المفتوحة
أمام عينيك وإلى قدميك القويتين،
تحملانك ـ دون دليل ـ ساعة تشائين
وإلى أين تشائين! أما معصمك الجميل
الخالي من الحلية الغالية، أليس من نعم
الله أن عين زوجك ترى بياضه وجمال
تكوينه؟
أتدركين يا قارئتي معنى هذه الجملة
لذلك الأعمى:
«إنما أنا رجل مستطيع بغيري!»
إنك لمستطيعة على كل شيء بنفسك،
وبعينيك، هلاّ شكرتِ رب الأنوار؟
كل هذا، وأكثر من هذا مرّ في بالي
يوم دخلت مدينة الأونسكو ورأيت وفود
الدول الشرقية يدخلون أزواجاً، أزواجاً
العضو والدليل...
ما أشبه اليوم بالبارحة!