

وتقتصر خدمة الممرضات على قسم النساء ، اذ يوجد لمرضى الرجال قسم خاص يقوم عليه طلاب مدرسة التمريض المذكور .
تلقت نجلا اول درس اساسي عندما قابلتها رئيسة الممرضات على حدة ، وراحت تسدي اليها الارشادات في كيفية معاملة المرضى المجانين . وصعب عليها يومئذ فهم ما عنته معلمتها في ضرورة التوفيق بين اللطف من جهة والقسوة من جهة اخرى . ولكن التجارب علمتها بعد ذلك كيف توفق بين الامرين ، وتعلمت كيف تتقي هياج المريضة وغضبها دون ان تقسو عليها .
وكثيراً ما تكون نجلا واقفة تتحدث بهدوء الى احدى المريضات ، فتنتابها نوبة هياج فجائية حادة ، فتنقض على نجلا تحاول ضربها وصفعها . وفي الحال تلتف نجلا عليها وتمسك يديها من الوراء ، فتشل بذلك حركتها الى ان يأتي من يسعفها بالمساعدة من الموظفات .
واستقبلت نجلا هذه السنة ، وهي الثالثة والاخيرة ، بعزم على المضي في عملها ، وثقة في مقدرتها .
وتقتصر الدروس النظرية فيها على ثلاثة مواضيع هي : علم «تشريح الدماغ» يدرسه الدكتور مانوكيان، ودرس «الامراض العقلية» يقدمه الدكتور افزيان ، ودرس «الاختلال العقلي» يعطيه الدكتور شكري . وهؤلاء الاطباء الثلاثة متخصصون بالامراض العقلية ويعملون في المستشفى ذاته .
اما اوقات عملها اليومي فهي خاضعة لنظام دقيق ، وتتوزع كما يلي : تستلم نجلا جناح وبستر من ممرضة الليل في الساعة السابعة صباحاً، ويحتوي هذا الجناح على خمسة وثلاثين مريضة من اللواتي قاربن الشفاء . وهي مسؤولة نهاراً عن سير الامور فيه كما يجب تساعدها زميلة اخرى واربع موظفات .
وتشرف نجلا على تقديم الفطور للمريضات ، وعندما ينتهين من الطعام تكون الساعة قد قاربت الثامنة والنصف فتذهب بدورها لتناول فطورها في المطعم الخاص بالاساتذة والممرضات . ثم تعود الى عملها في الجناح نفسه ، فتقوم بتنظيف الغرف وملاحظة كل مريضة على حدة ، وتكون الساعة عندئذ قد بلغت الثانية عشرة فتذهب لحضور درس التمريض ، وتبقى حتى الساعة الواحدة . ثم تأخذ قسطاً من الراحة حتى الساعة الخامسة والنصف ، فتعود الى جناح عملها حيث تشرف على توزيع طعام العشاء واعداد مريضاتها للنوم . ثم تسلم ممرضة الليل مسؤولياتها ، وتعود الى غرفتها ، فتتناول عشاءها وتنكب على مذاكرة دروسها .
سألت نجلا اذا كان باستطاعتها اثناء عملها النهاري تدبير امر المريضات من دون مساعدة الطبيب فقالت : « تظهر المريضات هدوءاً يجعلني اتحدث معهن ، وتبادل عادة سرد الحكايات والحوادث والنوادر ، واحياناً اصطحب بعضهن معي الى السينما اذا سمح الطبيب بذلك . فاذا انتابت احداهن نوبة حادة احاول تهدئتها مع زميلاتي ، ولا انادي الطبيب الا في حالات استثنائية . كما حدث مرة في حالة شجار عنيف بين مريضتين ، اذ سمعنا صراخاً في احدى الغرف ، فاسرعنا ، واذا باحدى المريضات قد انتابتها نوبة حادة فانقضت على جارتها توسعها ضرباً ، ففرقنا بين الاثنتين . لكننا لم نستطع تهدئة هياج المريضة الا عندما نادينا الطبيب واسعفها بابرة خاصة . »
وحدث لها ايضاً ان دخلت مرة على مريضة ارتادت المستشفى حديثاً ، وكانت حاملاً في شهرها الثالث ، فرأت علائم الاجهاض ظاهرة عليها ، دون ان تكون المريضة شاعرة بما يجري لها ، فحضر الطبيب حالا ونقلت المريضة الى العيادة للمعالجة .