هي الصفحة الأولى من كتاب العمر، صفحة خضراء تراقصت على حواشيها الأماني الرائعة، والأحلام الحلوة الضاحكة.
طفلان صغيران، عايده وسامح؛ هي في العاشرة وهو في الثامنة، وكلاهما يرنو باسماً للحياة، ويقبل عليها مرحاً متفائلاً.
وتتابع في الصحيفة صور حلوة من ذكريات طفولتهما، طفولة عابثة مرحة، تتمتع بفيض من حنان الوالد الأب دون عطف الأم المتوفاة.
صورة لها في أرجوحة، وقد تقارب الرأسان الصغيران، ومضيا يتأرجحان معاً، ويتأرجح معها قلب الوالد.
وصورة لهما ينتظران أوبة القطار، شأنها كل مغرب شمس، حتى إذا ما سمعا صفيره يشق صمت السماء، قفز القلبان الصغيران طرباً لقدوم الوالد - ناظر المحطة - في بذلته الكحلية ذات الأزرار اللامعة الصفراء.
وصورة ثالثة لعلها أكثر انطباعاً في ذهن عايده من غيرها:
الصغيران مكبان على مكتبهما، وأمامهما الوالد يوجه ويرقب ويدرس، حتى إذا ما فرغا من كل ذلك، ومضى كل منهما يحشو كراساته في حقيبته الجلدية الصغيرة استعداداً للغد، رنا الوالد إليها طويلاً ثم تساءل سؤاله التقليدي:
- ماذا ستشتغل عايده عندما تكبر؟
ولا حاجة لعايده لأن تفكر في الأمر طويلاً، ولا حاجة لها لأن تقدح زناد الذهن، وماذا عساها تتمنى أن تكون أكثر من معلمة؟ معلمة تأمر وتنهى وتجور على الكراسات بقلمها الأحمر..؟
ويستمع الوالد ضاحكاً ويتساءل:
- وسامح ماذا يقول؟
ويعبث سامح بخصلات شعره الأسود اللماع، وتقفز إلى مخيلته صورة جارهم (الدكتور).. وفي يمينه حقيبته الجلدية، وعلى عينيه نظارة ذات إطار ذهبي.. لكم يتمنى أن تكون له مثل تلك السماعة العجيبة التي يحملها في حقيبته، وتلك النظارة الوجيهة.. ويفتح سامح شفتيه ويقول بصوته القلق الرجراج:
- ساكون طبيباً..
ويفرك الوالد يديه ارتياحاً ويقول: لا بأس يا أولاد.. معلمة وطبيب - ومن مثلي على وجه البسيطة!..



