كيف تحرّرت المرأة
لم تنل المرأة الاوروبية حقوقها اثر طلبات ملحة رفعتها الى المجالس النيابية فحسب بل كان انتصارها نتيجة جهاد متواصل طوال نصف قرن تحملت فيه الخطير من المسؤوليات والمهام فربحت بذلك عطف الرأي العام المستنير . ان اول كتاب ألّف في موضوع تحرير المرأة وضعته الكاتبة الانكليزية « ماري ولستنكرفت » عام ١٧٩٢ واول مرسوم اشتراعي منح المرأة قسطاً من حقوقها المدنية في اوروبا انما أعد سنة ١٨٣٨ واول مؤتمر نسائي بحث فيه تحرير المرأة بصورة علنية شاملة وكان باكورة عدد من المؤتمرات الموفقة للمدافعة عنها ، عقدته جمعية « الفرندس » في مدينة نيويورك سنة ١٨٨٢ . ويجدر بنا قبل تتبع الخطط التي سارت عليها النهضة النسائية ان نتحسس الجو الفكري الذي نشأت فيه .
ما هي الاسباب الرئيسية التي دفعت بالمرأة للتحرر ؟
لقد انبثقت فكرة التحرر من فلسفة الحكم الذاتي ، هذه الفلسفة التي حققت اول نصر عملي لها في الثورة الافرنسية ، وتبع الثورة ما يسمى في انكلتره بالحركة الدستورية وهذه الحركة دعمت مطاليب المواطن رجلاً كان ام امرأة في ظل الحرية الذاتية . وغذى الادب الثوري في فرنسا وانكلتره افكار التحرر ووجهها الى آفاق جديدة كان نصيب المرأة منها كبيراً .
واذا عدنا الى صفحات التاريخ نجد ان الحكومات كانت تتمثل على اساس القوة الحربية حتى بعد الثورة الافرنسية فكان اهم ما يطلب من ارباب السلطة المقدرة الجسدية . وكان الحاكم او ممثل الامة هو ذلك الشخص الذي تمكنه عضلاته ان يفتك اذا كان لفتك من مبرر . وبقيت فكرة الزعامة الجسدية مسيطرة لزمن بعيد في اوروبا ولكن تطور التفكير السياسي جعل مهمة
رجال السلطة تنظيم الحياة وتسيير المجتمع فرأت المرأة ان بامكانها المساهمة في هذا المضمار .
وحين اصبح الحكم نظاماً يشمل العائلة والمجتمع واصبحت اهم مزايا الحاكم معنوية وعقلية آن ان يكون للمرأة في الحكم رأي .
كان حق التصويت العام في بادىء الامر يمنح فقط للرجل الذي يملك ارضاً . ثم تطورت الحالة فاصبح التصويت حقاً لكل ذي مصلحة عامة وبقي نطاق التصويت يتسع حتى عام ١٩١٨ حين شمل كل رجل مواطن بلغ من العمر الواحدة والعشرين وذلك ان المرسوم الاول صدر في انكلترا وسائر البلدان الاوروبية عام ١٨٣٢ والمرسوم الثاني عام ١٨٦٧ والمرسوم الثالث عام ١٨٨٤ وهذا منح بعض الحقوق المبدئية لارباب العمل ثم المرسوم النهائي الاخير عام ١٩١٨ . فدخول المرأة الى ميدان السياسة ناتج بالدرجة القصوى عن رغبتها في الاشتراك بتنظيم الحياة الاجتماعية .
وقد اشتدت هذه الرغبة في التحرر بعد فشل المحاولات العديدة التي قام بها الرجل وحده لحفظ السلام في اوروبا ، فالمرأة بطبيعتها تكره الحرب وتخشاها وهي وحدها تعرف ما تقاسيه كي ينمو اطفالها الرضع ويشبون ، فكيف بها تراهم يقادون كالاغنام للمعارك ويضحون على مذبح الجشع السياسي ؟
وفي القرن التاسع عشر عملت المرأة لمجاراة الرجل في الفكر والثقافة فتألفت بين الطبقة الراقية جمعيات نسائية تستهدف تعميم الثقافة والفن بين العناصر النسائية . وبينما كانت احدى السيدات في اميركا تركب عربتها لتذهب الى بيت صديقتها حضور أحد الاجتماعات تنبهت فوراً الى قذارة الشوارع التي تمر بها والى اعمال النظافة في حي تسكنه طبقة عاملة وضيعة . فدخلت بيت صديقتها اذ ذاك وقالت للمجتمعات : ما رأيكن لو اغفلنا الحديث عن دانتي والكوميديا الالهية وتحدثنا عن نظافة المدينة ؟ وحبذت الفكرة وانقلب هذا المجتمع الثقافي الى جمعية تهتم بالشؤون الاجتماعية الصرف . وبواسطة هذه الجمعية وسواها جاهدت المرأة لمحاربة الامراض والاوبئة والفاقة والعوز كما جاهدت لتحسين حياة العامل وتنظيف الشوارع ونشر محاكم الاطفال وبناء المستشفيات ودور الاصلاح والمدارس الحديثة حيث يعيش الولد في جو من النظافة الجسدية والمعنوية . نعم ان الحركة النسائية الاجتماعية المعروفة بحركة النوادي النسائية التي عمت في البلدان المتمدنة هي نتيجة تحسس المرأة لواجبها الاجتماعي في عالم يعترف ان السياسة ليست الا خدمة للمجتمع .
