وأعطت المرأة بعض الامتيازات إذ أخذت بعين الاعتبار مقدرتها المحدودة على تحمل المصاعب والمكاره وعلى الأخص في حالات الحمل والمرض. وسنت في البلدان المتمدنة إذ ذاك قوانين صارمة تمنع بتاتاً تشغيل النساء في حمل الأثقال أو في المناجم أو أمام الآلات الضخمة واحتفظت المرأة بالأعمال اليدوية التي تلائم ميولها وإمكانياتها الخاصة وتصون صحتها من أخطار المدنية الآلية المخيفة.
ثم أخذ كل بلد يسن قوانين التأمين الاجتماعي، ولا تزال أوروبا حتى الساعة تهتم اهتماماً ما عرفه عصر من تاريخها بالعامل امرأة كان أم رجلاً، لتعيد له كرامته كمواطن حقيقي في أمة تحترم نفسها. وظهرت مع بشر القرن التاسع عشر جملة قوانين تتعلق بالزواج المدني والطلاق وتمنح المرأة الطمأنينة في ظل العدالة والمساواة. فالمرأة في أكثر البلدان الأوروبية تحتفظ، إذا أحبت، بجنسيتها وحماية حكومتها حتى ولو تزوجت من غريب ما. وغالباً، إذا شاءت، يمكنها أن تمنح جنسية بلادها لزوجها. كل ذلك في سبيل تعزيز مكانتها ومساعدتها على الصمود أمام الكوارث والملمات التي تعترض حياتها الخاصة.
وفي أكثر البلدان الأوروبية قانون يحمي الولد غير الشرعي ويحمي في الوقت نفسه الأم إذ يسند إليها العناية به حتى السادسة عشرة من عمره ويمنحها حقوقاً مالية تساعدها على تربيته، وإن عادت وتزوجت بقي المسؤولية على الزوج العتيد حتى يبلغ الولد السن التي يدخل فيها تحت عناية السلطة.
تطور القوانين وتوسعها
هذه نظرة سريعة على القوانين المدنية التي تتعلق بالمرأة في الحقل الاجتماعي ولكن ما يهمنا الآن بصورة مباشرة هو
تطور هذه القوانين إلى ميادين أوسع تمنح المرأة فيها كامل حقوقها السياسية والاقتصادية وتعتبر كالنصف المتمم للمدنية ضمن كنف الشعوب التي تحترم نفسها.
كان القانون الشامل الذي تبعته أكثر شعوب أوروبا ينص حتى أوائل القرن العشرين على أن لا حقوق سياسية للمرأة مطلقاً إلا إذا اتفق أن ولدت ملكة. إن تاريخ الحصول على هذه الحقوق يجمع إلى الألم الطرافة، فقد حدث مثلاً أن عقد مؤتمر اجتماعي في لندن للبحث في أمور تتعلق بالولد والمرأة وكان الوفد الأميركي إلى هذا المؤتمر يضم بعض النساء بين أعضائه فما كان من الوفد الإنكليزي إلا أن تمنع عن البحث بحضور العنصر النسائي وأجبر الوفد الأميركي أن يبقي النساء في غرفة مجاورة تفصلها عن القاعة العامة بعض الستائر قائلاً إنه يمكن للسيدات أن يسمعن البحث ولكن لا نقبل مطلقاً أن يشتركن فيه فأثارت هذه الحادثة دهشة واشمئزاز النساء الأميركيات ورجعن إلى أميركا يطالبن بإرجاع حق اغتصب منهن وعقد أول مؤتمر نسائي عام ١٨٣٨ برعاية جمعية «الفرندس» الجمعية التي كانت تؤمن بمساواة المرأة بالرجل وكانت السابقة في ميادين التعليم النسائي العالي ليس فقط في أميركا بل في البلدان الاسكندنافية وفي إنكلترا وتبع هذا المؤتمر مناقشات عنيفة في البرلمان البريطاني. وأعظم هذه المناقشات الدفاع القيم الذي تلفظ به الكاتب الاجتماعي المشهور «جون ستيوارت مل» عام ١٨٦٥ وتشكلت على أثره لجنة نسائية عاملة أخذت تضم إليها الأعضاء بالمئات والألوف وتعمل ليلاً ونهاراً لإنارة الرأي العام وترأست هذه اللجنة بحزم ومقدرة الليدي «غاريت» فكانت لا تغفل لحظة عن إرسال العروض والمناشير والمقترحات للبرلمان مجاهدة بإلحاح وتشديد للحصول على جميع الحقوق
السياسية كاملة غير منقوصة. وطبع على أثر ذلك كتاب «جون مل» المعروف «بعبودية المرأة» فأحدث ضجة عنيفة في المجتمع الأوربي وترجم إلى لغات عدة فتعدت مشكلة المرأة دولة واحدة أو مجتمعاً واحداً وأصبحت قضية القارة بأسرها ولم تسفر هذه الحملات الشعواء إلا عن إعطاء المرأة حقوق انتخاب أعضاء البلديات فحسب، وكان ذلك عام ١٨٦٩. أما كلادستون الذي كان رئيس الوزراء إذ ذاك فقد حاول أن يركز جهده على المشاكل المتعلقة بالإمبراطورية وأهمل المشاكل الداخلية ولكن المرأة لم تجبن ولم تتزعزع بل بقيت تنادي بأعلى صوتها في الشوارع ومن على السطوح وفي المجتمعات والنوادي حتى سنة ١٩٠٧ حينما تم ترشيحها لوظائف البلديات. وتسلمت المرأة للمرة الأولى وظيفة مسؤولة في بلدية لندن وكانت تدعى السيدة اندرسون وأقبلت البلاد الإنكليزية على أبواب انتخابات جديدة فأفاقت المرأة البريطانية من مفعول المخدر الأخير لتستعيد قواها وتشن هجوماً محكماً من الجهاد للتحرر وشهدت لندن مظاهرة شاملة، فقد تجمهر في شوارعها ما يقارب من ٤٠٠٠ امرأة فتشل حركة السير وتعرقل النظام وتضم إليها المارة من كل حدب وصوب وتسمعهم الخطب النارية ضد الأوضاع الراهنة وكانت زعيمة هذه الحركة ونبضها الحساس السيدة «بنهارست» التي تحملت على أثر ذلك مع نفر من صديقاتها الهوان والمطاردة وأخيراً السجن حيث أضربت عن الطعام فكان لعملها أثره المجيد على المجاهدات بل على الرأي العام إجمالاً، فحملت الجرائد المعارضة وغير المعارضة حملة شعواء على السلطة فكنت تسمع الوعاظ والأساتذة في المعاهد وأرباب المصالح وقادة الفكر يؤنبون الحكومة على عملها ويطالبون بتحرير المرأة وكادت تستعر نيران حرب أهلية عندما مشت
