وفرنسا وإيطاليا واليونان وسويسرا أما تأخر البلدان اللاتينية فنتج عن تخوفها من سلطة الإكليروس على المرأة ولكن تأخر المرأة في سويسرا ناتج عن عدم اهتمام المرأة السويسرية بهذه الناحية السياسية البحت. وأود أن أقول هنا كلمة خاصة بهذا الشأن عن البلاد التي تحافظ اليوم على أقصى حد من الحرية الذاتية والديمقراطية الحقة والتي لم تمنح المرأة فيها كامل الحقوق. إن المرأة السويسرية تتمتع بكل الإمكانيات وكل الحقوق المدنية ويؤخذ رأيها وتمثل صورة غير حكومية في اللجان المختلفة وهي المسؤولة عن تنظيم محاكم الأطفال والسجون والإصلاحات ويؤخذ برأيها في الدرجة الأولى في ميدان التربية والتعليم وفي الأمور المتعلقة بالمشاكل الاجتماعية ولئن حصلت المرأة السويسرية على حقوق التصويت فلن يزيد ذلك قيد شعرة في القسط الوافر من الحرية الحقة التي تتمتع بها ولن يتقيد النظام السياسي الحكيم الذي تسير عليه هذه البلاد المباركة وعندما تصبح كل حكومات العالم كحكومة سويسرا لن يبقى للمرأة مطاليب ولا رغبات بل يصبح همها الوحيد أن تظل على تفاهم مع الرجل الذي يحترمها وتحترمه ويؤمن بها وتؤمن به... ولكن أين لنا هذا ونحن لا نزال في عهد إقطاعي متأخر، في عهد لا يسيطر فيه الرجل الحكيم الواعي بل الرجل المستأثر المغتصب وفي أمة لا يتحكم فيها الفعل المستنير بل الأعصاب الهائجة الصاخبة.
أمنية المرأة الأساسية
لقد حصلت المرأة في أكثر بلدان العالم على حريتها السياسية كاملة غير منقوصة وقد مثلت دور وزيرة ونائبة وتقلبت في جميع الوظائف الرئيسية ولكن لا يزال عملها الأساسي ناقصاً لأنها لم تتمكن من أن تكفل السلم في عالم لا يزال يسيره جشع الرجل واستئثاره.
ليست وظيفة المرأة رغبتها الأساسية اليوم مزاحمة الرجل في شتى المناصب ومنافسته في ميادين الأعمال وإنما هي الحصول على هذا العلم المنشود عالم الخير والسلم والصلاح وفي ظل مجتمع يقدس المبادئ العالية ويشعر قويه مع ضعفه وسيدة مع مسوده في عالم تتوزع فيه النعم بكثير من العدل والحكمة ويحصل فيه المواطن على العناية به كفرد له مكانته في أمة محترمة. ونحن هنا أبناء الأقطار العربية بوجه عام وأبناء لبنان بوجه خاص ماذا يهمنا من هذه الحركة الإنشائية؟ يهمنا بالدرجة الأولى أن نوفق إلى درجة من التقدم تتناسب وسائر الأمم فنحن كسوانا من الأمم الفتية نود أن نحصر الخيرات التي تنتج من حركة تستهدف الخير الشامل.
أنا من اللواتي يأملن أن تعطى المرأة كامل حقوقها في لبنان لا لأن كل امرأة تستحق ذلك كما أنه ليس كل رجل يستحق بل لأن في لبنان بنوع خاص عنصراً نسائياً حيوياً دافع أكثر من الرجل ولا يزال يدافع في سبيل العدالة الاجتماعية والحقيقة كما أراها أن السواد الأعظم من الرجال والنساء في لبنان لا يتمكن من الانتخاب في جو من المعرفة المنزهة والإخلاص الأكيد إلا بعد انقضاء فترة من الاختبار الحسي.
ولكن دعوا المرأة تنتخب، دعوها تتخبط كما يتخبط الرجل في هذه الهوة السحيقة من المقاييس المترجحة غير المستقرة. دعوها ترمي في هذا الخضم الواسع الذي لا حدود لغوره والذي
نجتازه ونحن كلمة فنية في أول حياتها فتخطئ وتدرك خطأها وتصلحه وتمشي في الظلمة إلى أن تنقلب الظلمة إلى نور. تعالوا نتحمل أعباء مسؤوليات السلطة معاً، تعالوا نجرب حظنا في هذا المعترك الطاغي علنا نرى ما لم تتمكنوا أنتم من رؤيته إني لا أشك قط أن من أضعف أسس الحكم عندنا ما نلمسه كل يوم من اللامبالاة بالعناصر الخيرة المنتجة التي هي عماد الأمة وقوامها ما نلمسه من الظلم والجور في نظام الزواج والبيت والعائلة ما نلمسه من التعاسة في حياة الولد المنشود ومن القوى المبعثرة والمواهب التي تضحى على مذابح الأهمال. وما لا شك فيه قط أن المرأة إذا أعطيت حق الاشتراك في الحكم توجد هذه الصلة بين الشعب والحكومة فتذكر أرباب السلطة بالواجب الإنساني الصرف الملقى على عاتقه وتنادي أمامهم بأن السلطة تكليف لا تشريف وأن الحكم عمل وتضحية.
وهل نرجو خيراً إلا في العمل المشترك المنتج في العمل الذي تتغامز فيه الجهود للخير الشامل؟
ولكن دعوني أحذر المرأة من أمر واحد أراه خطيراً جداً في هذه الحملة التي تقودها أود أن أذكرها أن لكل لون من ألوان الحرية التي تحصل عليها ثمناً غالياً وأن لكل نعمة تحظى بها ضريبتها الخاصة فالأوفق أن لا تطالب بحقوقها السياسية قبل أن تتأكد أنه بمقدورها أن تدفع ثمن هذه الحقوق وبمقدورها أن تحافظ عليها حتى بعد أن يدفع الثمن.

