يحتفظ التاريخ بأسماء نفر من الرجال الذين تغلبوا على صعاب الحياة ووصلوا إلى ذروة المجد بالرغم من عاهاتهم، وذلك بفضل شجاعتهم الروحية ووجود جذوة حيّة من روح لا تقهر فيهم. فهناك أسماء لامعة وصل أصحابها قمة المجد رغم ما كانوا يعانونه من علل بدنية: فذاك هوميرس الأغريقي الذي رغم عماه ترك للذراري والأعقاب «الإلياذة» و«الأوديسي» تراثاً خالداً، وهناك الشاعر الإنكليزي ملتون الذي كتب «الفردوس المفقود» وروائع قصائده بعد أن فقد بصره. ويبرز في تاريخنا العربي أبو العلاء المعري صاحب «رسالة الغفران»، تلك الطرفة الرائعة التي كتبها وهو رهين المحبسين. ومن المعاصرين يبرز اسم الدكتور طه حسين الذي لمع في سماء مصر ودنيا العالم العربي إذ استطاع أن يتغلب بنور بصيرته على ظلمة البصر.
غير خاف أن الناس عند وقوع المصاعب وعصف الشدائد ثلاثة فرقاء: فريق جوي أمام الشدة وينفت تحت مطارق الأيام وضربات الدهر القاسية. وفريق ثان يفر من الميدان وينهزم من الشدائد حيث يلجأ إلى برج عاجي أو يعتصم في منسك منعزل. والفريق الثالث وهم قلة - ويا للأسف - يجدون في الشدة ما يوقد نار الهمة، ويصهر الأخلاق، ويذكي روح الشجاعة والإقدام؛ فتراهم رغم عاهاتهم وشدائدهم يتغلبون على ظروفهم ويسمون فوق الأزمات التي أحاطت بهم.
أجل كثيراً ما نسمع عن أولئك الرواد من الرجال والفئة من الأبطال المغامرين الذين أدخلوا في عداد الخالدين. بيد أنه قليلاً ما نسمع عن نساء سجلن من روح الشجاعة والإقدام ما سجله الرجال. أنهن وجدن في الماضي، وهن موجودات والحمد لله بين ظهرانينا الآن، وها فريق منهن قد شق طريقه إلى حياة المجد والرفعة والانتصار. ولا غرابة فلكل أمة نساؤها العظيمات وبطلاتها الخالدات. وسوف يضيق بي المقام أن حاولت تعداد أسماء من لمعن في سماء المجد، ومن مثلن أدوار حياتهن بأرواح لا تقهر وبنفوس لا تلين.. وسأقتصر على ذكر ثلاث منهن انتزعتهن من بلاد مختلفة وعصور متفاوتة.
ولأبدأن بمدام كوري - تلك التلميذة المجتهدة والمكتشفة لعنصر الراديوم أعجوبة القرن العشرين. إن صفحة حياتها مليئة بالشجاعة والذكاء وزاخرة بألوان الإقدام والثبات. وكيفما قلبنا تلك الحياة لمسنا صفات النبل والبطولة. ففي عقلها التفكير العلمي، وفي قلبها عبقرية الشعور السامي، وفي سيرة حياتها مواقف خالدة من التضحية والجهاد. فقد صرفت أربع سنوات مع زوجها بيير كوري في مختبر معرض للأمطار ولفحات الحر تجري الاختبارات، وتصفي الحجارة وتصهر المواد. فأجرت مئات التجارب وعالجت آلاف الأطنان من القار حتى توصلت في النهاية إلى ذلك الإكسير الذي أدهش اكتشافه العالم إذ مهّد لمكتشفات خطيرة أدت إلى اكتشاف
الطاقة الذرية مما غيّر معالم التاريخ الحديث تغييراً محسوساً.
ولأذكرن في المرتبة الثانية بابوشكا، أو الجدة الصغيرة كما دعاها الفلاحون من الروس في عهد القياصرة. فقد اتسع قلب تلك السيدة لاحتضان جميع المواطنين: اتسع لمحبة أربعين مليون فلاح روسي كانوا يرزحون تحت وطأة الجهل والفقر والاضطهاد. ففي سبيل هؤلاء المعذبين في الأرض قاست بابوشكا ما قاست من آلام، وتحملت ما تحملت من جوع وتشريد وسجن ونفي. فكانت حياتها سلسلة من المآسي إذ قضت معظم سني حياتها منفية في أصقاع سيبيريا الشاسعة. بيد أنها بالرغم من تلك الشدائد التي عصفت في وجهها ظلت مشرقة الوجه، تعمل وتضحي في سبيل أولئك المعذبين. وانطلقت روحها إلى خالقها من قرية بجوار مدينة براغ، وهي في التسعين من عمرها، تحمل له شكواها من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.


