نحن في ثقافتنا بين تيارين من التقليد: تقليد للاسلاف ونقل لاساليبهم في المعيشة وفي الكتابة والتفكير ، وتقليد للغربيين في هذه الوجوه نفسها . والتقليد حسن اذا لاءم عصرنا وبيئتنا وحاجاتنا ؛ اذا عرفنا ما الذي يصح تقليده وكيف نهضم ما نقتبسه ونحوّله الى كياننا حتى يصير جزءاً منا . اما التقليد الاعمى او الببغائي الذي لا يراعي حاجة البيئة والعصر فهو تقليد مردود يثير الشفقة او السخرية .
لو امكنني الاتصال بكل طالب أو طالبة في لبنان لسألته ان يجعل شعاره في الكتابة : « إحذر القوالب الجاهزة والافكار المنقولة . تحرر ! اكتب ما تراه أو ما تفكر به ولا تردّد عبارات مسموعة وآراء سائرة ! » ان اختباري للطلاب والطالبات يريني شدة اهمال هذا المبدأ في مدارسنا . فطلابنا لا يكتبون الا الشائع من الاقوال وكأن شعار اكثر المدارس ان تشجع في طلابها التقليد والابتذال .
ولا تنفرد المدارس في تشجيعها الأخذ والنقل لانه اسهل منالاً ، بل ان هذا دأب كثير من صحفنا ومجلاتنا . فمنها التي تترجم من غير ان تشير الى المصدر ومنها التي تقترض آراء غريبة وتحاول نشرها في بلادنا ، زاعمة ان الادواء التي يشكو منها الغرب هي التي نشكو منها نحن ، وشتان بين ادوائهم
وادوائنا . ولأضرب لك بعض الامثلة
على التقليد الاعمى :
« أنقذوا الاسرة ! »
قامت في الغرب مؤخراً حركة لانقاذ الاسرة وتشجيع الزواج والامومة . ولذلك اسباب متعددة منها نقص عدد السكان على اثر الحروب المتتالية ، ومنها تفكك عرى الاسرة وتشتت اعضائها عقيب الثورة الصناعية التي حررت المرأة واضطرتها ، هي والزوج والاولاد ، الى ترك البيت والعمل خارجاً فاصبح اعضاء الاسرة موزّعين بعضهم في المدارس وبعضهم في المصانع ودور العمل ، فنمت فيهم الروح الاستقلالية ، استقلال المرأة عن الزوج واستقلال الاولاد عن الوالدين بفضل العمل المستقل . ومن جهة اخرى زادت حرية المرأة وضعف اقبال الشبان على الزواج رغبة في الحياة الحرة . ورأى المحافظون ان كيان الاسرة مهدد فهبوا لانقاذها ونادوا بالويل والثبور واصابت حركتهم بعض النجاح لكنهم لم يستطيعوا ايقاف سير التاريخ ولا الوقوف في وجه التطور الانساني .
وجرياً على سنة التقليد ، صادفت تلك الحركة الغربية هوى في نفوس بعض الصحافيين وحملة الاقلام عندنا فقاموا يكتبون في موضوع الاسرة
والامومة ويزعمون ان كيان الاسرة عندنا مهدد بفضل حرية المرأة واعراض الفتيان والفتيات عن الزواج الى آخر ما هنالك من اوهام .
والواقع ان المرأة عندنا لا تزال ترسف في قيود الماضي التي تحرمها الحقوق المدنية والسياسية . والمرأة التي تشتغل خارج البيت اصبحت ترزح تحت حملين ، عملها خارجاً وعملها في البيت ، بخلاف المرأة الغربية العاملة التي يعاونها زوجها في اعمال المنزل . اما اعراض الفتيان عن الزواج فسببه ضيق ذات اليد الذي يدفعهم احياناً الى تأخير زواجهم حتى الاربعين ، واما الاسرة والامومة ففي احسن حال ، لا تشكوان قلة المواليد كما في الغرب ، بل كثرة المواليد وسوء العناية بهم .
ولو عدل هؤلاء الصحافيون ومن جرى مجراهم لعكسوا الآية في بحثهم ونادوا بلسان الجيل الطالع : « ألا زحزحوا عنا بعض قيود الاسرة ! آمنا ان الانسان لا يستطيع العيش بمفرده وان على اعضاء الاسرة الواحدة ان يتعاونوا ولكن ذلك لا يعني ان يكلفوا ما ليس بوسعهم .
« ألا زحزحوا عنا بعض هذه القيود التي تحلل للوالدين ان يعقدوا لفتياتهم زواجاً في مصلحتهم لا في مصلحتهن . وان يفرضوا على الابن زواجاً يرضي افراد الاسرة ولا يرضيه ، وان يرضوا الشاب الذي اقترن بأحدى الفتيات ان يتزوج معها الأم والأب والاخ والخالة والعمة ، كل ذلك باسم الاسرة والقرابة ! ألا خففوا عنا هذه القيود

