اجفان عينيه ، فتجب دنياها ، وان تثقل على عاتقها العذاب ، وتفجر في صدرها جرح الالم .
انه الاشعة التي تغمر قلبها بالقناعة والرضى ، والحبل المتين الذي يربطها بزوجها ، الامل الذي طالما تطلعت اليه وحلمت به ، هو انيسها الوحيد في ظلمات الوحدة وتاج مملكتها تحارب لاجله كل ما يتألب عليها من جيوش اليأس والقنوط .
يرى في نظراته العالم ومن فيه ، وفي ابتسامته المصباح الباهر الذي يكسح عنها ظلمة الحياة ، ويعينها على تحمل المسؤوليات باعثاً فيها القوة ويجدد فيها العزم .
تنسى الأم بضمة منه الى صدرها كل ما كبلتها به الايام من قيود المحن والآلام فتنقشع الغيوم القاتمة من سماء حياتها كاشفة عن سماء مبتسمة زاهرة صافية .
وهي تسعى في سبيله وتجد غير مبالية بالتعب ، عاملة لرعايته بنشاط وامانة لاعداد قواه ، وتقويم خطواته .
تنصت اليه مأخوذة بسحر مناغاته الاولى ، ينادي : ماما - بابا - فتسرع اليه تغمره بالنشوة ودموع الفرح عالقة بجفنيها .
تنظر اليه نظرات العطف والحنان وهو يبتسم ويضحك ، مدبباً على البساط يجرب حركاته الاولى المضطربة ، فيسقط تارة ويصطدم اخرى ، فتضمه الى صدرها تشعره محبتها بوهج انفاسها ، وحنانها بحرارة قبلاتها .
تسهر الليالي الطوال على راحته وهي غرقى في احلامها البعيدة فترى في طفلها النائم بملء جفنيه مباهج الدنيا وما حوته من ذخائر الاماني .
كم من وثبة وجل اخرجت الأم من هنيء احلامها ، وحركة ضعيفة أو صوت ضئيل قد لا ينبه شعوراً غافلاً ، يجعلها تستفيق مذعورة لتقف امام سرير طفلها ترعاه بحنانها ، وتتعرف الى مبعث وجله وحراكه .
هي لا تحتمل رؤية طفلها الباكي جائعاً ، أو عليلاً متألماً ، تضحي بكل شيء في سبيله ، محملة نفسها شديد العذاب لتهيئة طعامه ، أو لمنحه ثدييها في الذ ساعات نومها .
تقضي الليالي في سهر مستمر امام طفلها العليل الموجع ، هاتفة من اعماق روحها - والدموع الحرى تغمر خديها - بالدعاء لشفاء طفلها ، ولو ادى بها ذلك لدفع روحها ثمناً لشفائه ، تتوجع لاوجاعه ، وتتلاشى فيها كل قوة تجاه الالم الذي يعانيه ، فيرتفع صوتها بالانين المتقطع ، صدى اوتار قلبها المتقطعة .
ليس بين ميزات المرأة ما يفوق ميزة الحساسية فيها ، تحول نفسها الى هبات وعطايا من ينبوع زاخر بالمحبة والشعور والحنان ، يتفجر في اعماقها ، فتهب بسخاء ما لا يقدر الرجل ان يهبه لابنه ، لانه ظمآن الى تلك الهبات السخية ، يريد مشاركة
