ليست مريم عبد اللطيف الفتاة القروية الوحيدة التي تكد وتكدح طيلة ايام السنة ساعية وراء رزقها ، بل يوجد مئات من مثيلاتها منتشرات في قرى لبنان سهلاً وجبلاً . ومع ان القرية التي تسكن فيها مريم تكاد لا تبعد اكثر من خمسين كيلو متراً جنوباً عن مدينة بيروت ، فالفتاة التي تعيش فيها تكاد تكون محرومة من اهم وسائل الراحة ، بينما تسبح فتاة بيروت برخاء مادي وعلمي تحسد عليه .
يخيل للناظر الى القرية انها جرداء تشابه بيوتها المصنوعة من الطين واللبن الاطلال الجافة . فاذا تجولت فيها ، وجدت ان مسالكها ضيقة ملتوية ، تتوحل شتاء ويذري فيها الغبار صيفاً . ولا غرابة في ان تكون الاشجار الخضراء شبه معدومة ، فالقرية تفتقر الى الماء وتشكو العطش ستة اشهر من السنة .
وكلما ضعفت وسائل الراحة في القرية ، زادت مصاعب سكانها ، وتراكمت على المرأة القروية مسؤوليات تعمل على تأديتها بخفة ونشاط . ولا ريب انه يقع عليها العبء الاكبر في تسيير اعمال البيت ، اذ يقتصر عمل الزوج على الحقل ، بينما تشعب وتتنوع وظيفتها هي ، فتتناول امور البيت والعائلة والحقل معاً .
اعتادت مريم منذ صغرها على طرق معيشة قريتها . فهي تعلم ان والدها فلاح فقير يكدّ سبعة اشهر من السنة عند مزارع كبير في القرية ، ويتناول راتباً قدره ستمائة ليرة لبنانية ، ولما كانت هذه القيمة لا تكفي لاعالة زوجته واولاده الخمسة ، فهو يشتغل في الاشهر الخمسة الباقية متنقلاً من العمل في الحقل الى البناء ، ثم الى معصرة الزيتون والدبس .
ولا عجب اذا قضت مريم طفولتها متجولة في ازقة القرية وحقولها ، فعائلتها تعيش في غرفة واحدة خالية من اهم وسائل الصحة والراحة ، حتى انه ينقصها مطبخ وحمام ومرحاض . وبما



