

ان مدرسة القرية الابتدائية الحكومية لم تنتظم اعمالها الا منذ سنتين، فقد كان الشارع «مدرسة» مريم الاولى، وها انها قد بلغت السابعة عشرة من عمرها، وهي امية تماماً، وفات عليها زمن الدراسة لانشغالها المتواصل في مساعدة والدتها على العمل في البيت والحقل. لقد كانت في العاشرة من عمرها عندما بدأت تحمل جرتها الصغيرة لملئها من العين، وكلما خطت في العمر سنة زاد حجم الجرة، واصبحت تحملها اليوم بخفة ولباقة، وتقصد «العين» صباح ومساء كل يوم، وهي تبعد نحو عشرة كيلومترات عن القرية.
تتنوع الاعمال التي تقوم بها مريم حسب فصول السنة ومواسم الزراعة، بيد ان هناك مهاماً منزلية عليها تأديتها قبل المباشرة بأعمال الحقل، فهي تنهض عند طلوع الفجر، فتصلي فرض الصباح، ثم تنظف الغرفة وتذهب الى العين،
وتقصد بعدها ضواحي القرية الوعرة، فتجمع الحطب، وتعود الى المنزل حاملة حزمة كبيرة على رأسها، فاذا كانت والدتها غائبة في الحقل، قامت هي بتحضير طعام اخوتها، وهو يقتصر عادة على مادة اساسية هي «البرغل»، فاما ان تطبخه مع العدس «بجدرة» أو تضيف اليه نوعاً من الخضار حسب وفرته. وهي ماهرة في تحضير عجينة «المرقوق» وخبزها، فتساعد والدتها اسبوعياً على خبز ما يزيد عن المئتي رغيف على الصاج.
وبما ان المياه غير متوفرة في بيوت القرية، تقصد مريم كل عشرة ايام شاطئ نهر الليطاني لتنظيف ثياب العائلة. وهو يبعد عن القرية نحو ساعتين مشياً على الاقدام. فتحمل على رأسها الثياب وآنية الغسيل وتجر وراءها اخوتها الصغار. وهناك على شاطئ النهر، تشعل النار في موقد فوقه صفيحة مملوءة ماء، وتقعد في الفلاء امام طبق الغسيل لتقوم بتنظيف ثياب العائلة. وبعدها تستحم مع اخوتها في النهر، ثم ترجع مساء الى القرية.
ويخف عن مريم عناء العمل في فصل الشتاء، فتلزم البيت. اما في الربيع، فهي تلتقط نبات الزعتر لبيعه الى تجار المدينة، وما ان يزف موعد الحصاد حتى تشترك فيه، وتقوم بالتقاط بقايا الحبوب والحنطة في الحقل، ثم تنتقل للعمل في قطف ثمر التين والزيتون عند ذوي الاملاك الواسعة.
اما في فصل الخريف، فهي تقصد بساتين الساحل التي تبعد نحو عشرين كيلومترا عن القرية، وهناك تشتغل
باجر يومي في زراعة الخضار والفاكهة. وتعطي والدتها ما تتناوله من راتب، باستثناء ٢٥ ليرة لبنانية تنفقها سنوياً على مشتري ثيابها. ومع انها تملك ثوبين فقط، الاول حريري لماع تلبسه في مناسبات الافراح، والثاني قطني احمر اللون مزركش بباقات من الزهر، فهي قانعة تماماً بها، وامنيتها ان تزور المدينة يوماً لتشتري قلادة واقراطاً ذهبية.
تعود مريم من عملها في الساعة الرابعة بعد الظهر، فتستريح في البيت قليلاً، ثم ترتدي الثوب القطني الاحمر، وتذهب لزيارة احدى صديقاتها، حيث تجتمع عندها صبايا القرية، فيأخذن في سرد النوادر والقصص، أو يرقصن الدبكة
