
السادة، لا يعرف احزاباً أو جنسيات أو اديانا أو دولاً، ان هو الا تخفيف التعاسة والالم، واغاثة المتألم التعس».
ثم تستعرض نشاط جمعية الصليب الاحمر اللبناني، فتجيء على ذكر مستوصفاته المجانية الثمانية عشرة، وفروعه في المدن المختلفة، ومدرسة التمريض التابعة له، ومشغل الحياطة، وفرع الناشئين.
في الثاني والعشرين من مارس تركت اراضي لبنان طائرات تقل نحواً من سبعين فتاة وفتى بقيادة الاستاذ الكسي بطرس، رئيس الاكاديمية اللبنانية، لتقوم برحلة فنية ثقافية الى مصر.
لن احاول ان اسرد مراحل سفرتنا فقد وصفتها الجرائد في لبنان باسهاب. ولا مجال لي هنا ان اشرح عن الحفلات الموفقة التي حضرها الالوف من المجيبين سواء في الجامعة الاميركية او في معابد القاهرة الكبرى، والتي تركت جميل الاثر في النفوس.
لن اذكر بتفصيل ما كتبته جرائد مصر على اختلاف الوانها ولغاتها من التقدير والاعجاب.
او لم تكبر نفوسنا وتنفتح قلوبنا يوم دخلنا دار مفوضيتنا الجميلة ونلنا من سيدتها وسيدها النبيلين قسطاً وافراً من التنشيط والاكرام.
او لم نشعر بغبطة معنوية فائقة يوم انشدنا كلنا للوطن امام الازرة الخضراء المرتفعة على ضفاف النيل.
اجل لقد كبرت نفوسنا ايضاً يوم فتحت لنا ماري كجيل قصرها الفاتن، وحملنا قبساً من نورانية ايمانها بالشرق العزيز وسمو تقديرها للاعمال البناءة في لبنان.
ولكن سفرتنا الى مصر انطوت على معاني عميقة راسخة في صميم الفكرة التي
دعت الكسي بطرس منذ ١٢ سنة خلت الى تأسيس هذه الجوقة ورعايتها بالعناية والبذل والجهود. فالمغازي الروحية التي دفعتنا الى الانشاد بحيوية فياضة وايمان يهز الجبال تنطلق من لذة الانضمام الى المجموع المتكامل والعمل معه بروح الولاء والاخلاص.
لم يكن مراد الكسي بطرس فقط تعريفنا الى القطع الموسيقية الخالدة بل كان مراده منذ البدء ان نعيش معه ضمن النظام المتكامل شاعراً كل منا بأنه انما يكون جزءاً حياً من المجموع الحي.
الا يعطي كل منا صوته الواحد ليسمع اصوات المئات المنضمة الى صوته الواحد. او لم يشعر كل منا بأنه جزء متمم للمجموع وان مساهمته مهما كانت ضئيلة لها قيمتها الخاصة في عمل المجموع.
وهل يقوم عمل المجموع هذا الا باجهاد القوى والمؤهلات الى اقصى حدود التعاون والتضامن. فالجوقة المثلى اذا هي التي يذوب فيها الفرد ناكراً فرديته امام الهدف الاسمى، وهل في الوجود شيء اثمن من العمل مع الجماعة من اجل الجماعة؟
ومن ميزات الموسيقى الجوقية ايضا انها في متناول الجميع فيمقدور أي فرد كان ان يشترك فيها. هي لا تحتاج الى سابق استعداد ولا تتطلب ممن يود الانضمام اليها دراسة خاصة كما تتطلب
الاوركسترا مثلاً. بل جل ما هنالك رغبة مخلصة للعمل المنتظم ورغبة للاندفاع نحو الكمال. وهذا بالتالي يكفل النتيجة المنشودة متى دعمته الارشادات والتفسيرات الدقيقة التي ننعم بها عندما ندرس عن كتب القطع الموسيقية الخالدة قبل ان نسمعها.
ما احوجنا نحن في الشرق وقد عرفنا بالانكماش الفردي الى ضرورة الاعمال الاجتماعية المنتظمة في عالم الفن كما في سائر مناطق النشاط الايجابي. لقد تعلم الغرب قبلنا قيمة المجموع المتماسك ونحن اليوم من خلال وراثته الفنية الخلابة نود ان نتعلم ذلك.
ما اسعدنا يوم نرى في لبنان عشرات الجوقات تضم مئات بل الوفاً من الشبيبة تتعرف الى لذة العمل حقاً والانشاد معاً كوحدة كاملة متضامنة.
رجعنا من مصر بعد ان اختلطت اختباراتنا الواقعية بآثار مدنية الغابر المجيد، رجعنا مؤمنين بأن التراث البناء سيدفع بنا صعداً بالرغم عن الارتباك الذي يكتسح العالم الواقعي اليوم. وما علينا نحن في لبنان الا ان نقوي ايماننا بهذا التراث البناء، ونسير في ركبه لا كأفراد بل كمجموع متحد الغاية والمرمى.
وما كان اشد اغتباطنا يوم عرفنا ان قائدنا تلقى على اثر زيارة مصر ثلاث