كانت عينه لا تنام ، يفتش عن الجهود الادبية والثقافية ، يتعرّف الى اصحابها بغية ربط الحلقات واطلاق التوجيه .
وزارني يوماً في بيتي سنة ١٩٣٠ ، والمعركة لاستبدال الانتداب بمعاهدة يتبلور ويتجسّد ، فنعمت في ذلك اليوم بحديث شهي طلي ، حديث رجل ، نادر الذكاء اعطاه الله من المواهب ما شاء كرمه السماوي . كلمني عن ضرورة دخول النساء في المعترك السياسي والاحزاب السياسية ، وسألني لماذا لا اشتغل بالسياسة قلت : لو كنت اعيش مع اخ او مع زوج لعملت برأيك ولكنني امرأة وحيدة اعيش مع بنية اصبحت على ابواب الحياة .
قال :
- انت وبنيتك تعملان معاً . لا بد من ايدي النساء !
قلت :
او تنسى اننا في الشرق ؟
وسألني عن رأيي في الوحدة العربية وفي مصير لبنان فاجبته بصراحة وجدت صدى مستحباً في قلبه ..
كان دائم الحركة ، ما جاءت الى الشرق ادبية او جماعة نسائية الا وبادر يدلي بحججه ويريح الانصار ، فاتصل بالوفود التي مرت ببيروت عام ١٩٣٥ لحضور مؤتمر استانبول . وصادق الآنسة كلارا كاندياني ، مراسلة جريدة الفيغارو ورافقها في سفرة الى الداخلية . ولما عادت الى فرنسا اخذت تنشر في جريدتها المقال بعد المقال . اقتنعت فاندفعت تدافع عن حق شعب لا يطلب الا ان يكون حليفاً وصديقاً . اما النتيجة العملية فكانت نقمة حلت على رأسها . قالت لي يوم زرتها في باريس ، بينما كانت
تودّعني على الباب :
- قولي لرياض بك ولاصدقائي هنالك اني خسرت مركزي في الفيغارو !
★
لن يستغرب من سيكتبون التاريخ حوادث عام ١٩٤٣ ونتائجها . ان رجل الكفاح الذي عاش ثلاثا وثلاثين سنة ولا همّ له الا قضية اكلت في صحنه وشربت في كوبه ونامت في سريره ، ان رجل الكفاح هذا كان مفتوح الباصرة والبصيرة ، كان منذ شهور وسنين ينتظر
الساخنة فلما مرّت امسك بها ، بل قل قيدها بين يديه فما افلتت ومنذ ، دخل اسم رياض الصلح في سجل التاريخ .
★
يا صديقتي النبيلة القلب السيدة فائزة ، المفجوعة فيه ، بالزوج والاخ والرفيق والابن ! عزاءً وصبراً ! بكفيك فخراً انك رفيقة رجل كفاح قلّ ان يجود الدهر بمثل مواهبه ، وان لك الحق بقسم وفير من جهاده واجهاده .

