لم يلقن العرب القرون الوسطى المسيحية مبادئ الغزل وقواعد الحب فقط ، لكنهم اعطوا شعوب اوروبا ، وخصوصاً اسبانيا وفرنسا ، المقدرة على فهم الحقيقة الالهية ، وعلى حب الخالق بطريقة طاهرة الذيل ، صافية النية ، فياضة العواطف .
لم يعتبر الصوفيون في القرن الثامن ( ابن ادهم ، الراضي ، الساري ساعاني ، البستهامي ، الخ . ) وتلامذتهم في القرن العاشر والحادي عشر ( الحوجبري السراج ، القشيري ، الخ . ) الخالق مختارهم الوحيد ، ليس خوفاً من العذاب او أملاً بالجنة ، ولكن بقوة الحب الذي يدفع الحب الى الركوع عند اقدام سيده ليخدمه ولا ينتظر منه ادنى منحة ؟
ان الحب الالهي انما هو عشق خيالي المبدأ واقعي البداية ، ينشأ عن تقابل لعواطف خارجية ، أو عن ميل قلبي الى شخص جمع بين الجمال والحنان ، ولكن ذلك الميل لم تساعده الاحوال على النمو والترعرع ، فاتجه الى الخالق لانه مصدر كل قوة وشعور . ان المرء الذي يتأمل ويحب الجمال ، يخلق من جديد ، وبتعمقه يتقرب الى الخالق الذي هو الحب وهو الجمال ، واحياناً يتصل به . وهذا النوع من التصوف ممكن لان الشخص الذي يحب تضيئه انوار داخلية تعففه الى درجة ترفعه عن مستوى غيره من الرجال .
« ان الحب هو شعاع الجمال الالهي » ، قال المسعودي ( القرن العاشر ) في كتابه « مروج الذهب » حيث يتكلم عن الحب علماء جميع المدارس عند يحيى البرمكي ، كما كان يفعل اعضاء « مائدة » افلاطون . ان الله خلق العالم للجمال والحب . ان
الله خالق الكل ، ينظر الى مخلوقاته نظرة الاعجاب الى الجمال الذي انبثق عنه والذي هو شعاع اسمائه الكريمة . والمخلوقات تعجب بجمال بعضها البعض الى ان تصل الى الحب الذي يرفعها عن المستوى العام وتصل الى الخالق لكي تتأمل جماله وتخضع له وتخدمه . وذلك الخضوع وتلك الخدمة ، يعتبرها المخلوق شهادة حب نحو الخالق ، لان الحب لا يصل الى الكمال او بعضه الا بالتضحية ، وخدمة المحبوب هي نوع من التضحية من قبل المحب .
لقد ذكر جلال الدين الرومي الافلاكي قصة سمعها اصحاب ملك فرنسا سان لويس في حملته الصليبية في مصر ، وذكرها جوانفيل ( Joinville ) في القرن الثالث عشر في مذكراته ، وكتبها في القرن السابع عشر ج . ب . كامو ( J. P. Camus ) في كتابه La Caritée قصة امرأة هي رابعة ، قديسة مدينة البصرة ، ارادت ان تصعد الى السماء حاملة بيمينها شعلة نار ويسارها دلو ماء ، الاول لاحراق السماء والثاني لاطفاء الجحيم ، وذلك لتبرهن لله عن قوة حبها له ، وعن مقدار خدمتها له نتيجة لحبها اياه ، وعن تضحيتها بكبريائها لتصنع بواسطة عاطفتها المعجزات ليرضى المحبوب عنها . لان الحب دائماً في حالة الخوف من عدم وجود الرضى عنه لدى معبوده .
★
خلق العالم وخلق الحب الالهي معه ، لذا كان حب الله اجمل واعذب حب على هذه الارض . ألم يقل القرآن « انه يحبهم وهم يحبونه » ؟ وقال الصوفيون : ان الله احب اولاً ، وذلك الحب لم يتغير
على مدى الاجيال . حب من النوع الذي يتأمل ويهب دون حساب أو طمع أو انانية . ونعت القشيري ذلك الحب بالنقاوة ، والصبر والكمال ، بالنار الملتهبة ، بالتوحد ، بالملازمة ، ... الخ ، وزاد النوري بتشبيهه الحب الالهي بانه ثقب الستائر ورفع الاسرار .
لقد قال المسعودي بأن بعض الصوفيين كانوا يجدون في عذاب الحب الجنسي وفي شقائه واحزانه وافراحه الطريق الوحيد للوصول الى حب الخالق . حتى ان احد الشيوخ كان يرفض ان يتلمذ عليه من لم يقع في شباك الحب ، ورأيه هو الصواب لان الشخص في الحب العادي يتعلم التأمل ، ويتعود على تضحية ذاته لسرور المحب .
ويقول ابو حمزه نقلاً عن كتاب « مساري العشاق » لأبي بكر السراج بأن المتصوف ابا نادار الغناوي التقى بشاب يفوق جماله الحدود العادية ، فأعجب به الشيخ ، والح عليه ان يظل بقربه لانه لا يريد ان يحول نظره عن وجهه الساوي . وعندما ذهب الشاب ، بكى الشيخ وقال بأن وجه الغلام ذكره بالوجه الذي ليس له مثيل والذي لا يمل ولا يجدد ، وانه سيعمل كل ما بوسعه ليسره ، وانه سيحارب اعدائه الى ان يصل اليوم الذي سيمكنه من تأمل الوجه الالهي . وطلب ذلك الشيخ الوقور من ربه بان يريه وجهه الكريم وليمضي بعد ذلك حياته في الجحيم !
ان الاشياء التي على الارض هي شعاع الجمال الذي في السماء ، وهي جديرة بالعبادة الوقتية . ولهذا السبب كانت الدراويش تدخل في التأمل العميق عند رؤية زهرة ، او حقل اخضر في الربيع ،
