
ما من احد ينكر الدور المظلم الذي يمثله المرض في حياة الانسان والتفاعلات الخطيرة التي تفتك بالمريض ومن يحيط به على السواء .
ولست ابحث في النظريات العلمية حيث نجد للمريض ما ينقذه - ولا اجابة من حيث الناحية المعنوية التي يتقدورها ان تظهر المرض كأداة خيرة .
ان الامر الوحيد الذي سأعيره اهتمامي هو الناحية الاجتماعية .
لذلك سأحاول ان ادرس القضايا الهامة التي تسبب الامراض المتعددة هنا في بلادنا حيث لا يوجد ما يحفظ الانسان من الامراض أو ما يعمل على وقايته منها ، وسأحاول بصورة خاصة ان اعرض امامكم بعض الحالات الهامة الخاصة والعامة التي اختبرتها اثناء تمرني في مكافحة داء السل .
اننا نتساءل اولاً : ألا تتأتى المشكلة الاولى التي تنجم عن حالات المرض عن ميزانية دخل العائلة ؟
ان الميزانية الوفيرة الثابتة تفعل فعل السحر في هذه العائلات التي علينا ان نعتني بها .
كيف تتغذى هذه العائلات ؟ كيف تلبس ؟ اين تسكن ؟ كيف تربي وتنشئ الصغار الذين يتراوح عددهم في البيت الواحد بين الستة والثمانية او العشرة وربما اكثر ، ويكون الوالد لا يكسب غالباً
ما يزيد على الليرتين أو الثلاث في اليوم الواحد ؟
تستأجر العائلة غرفة سكن حقيرة لا ماء فيها ولا كهرباء ، تستأجرها بعشر ليرات أو اثني عشرة ليرة في الشهر .
وتضاعف صعوبة العيش عند هؤلاء مشكلة البطالة العامة والجزئية . فكثير من العمال يشتغلون يومين مقابل ثلاثة ايام بطالة . يضاف الى ذلك غلاء المعيشة واجور العمل الزهيدة .
فكيف الخروج اذاً من ازمة المرض التي تحدق بهؤلاء البشر ؟
لا نجد مخرجاً الا في مضاعفة التغذية . وفي هذه الحالة المادية المضطربة يطغى الداء في المحيطات المهملة صحياً . وتصبح هذه الحالات مقلقة ومخيفة عند اصابات السل التي تدب في افراد العائلة . وماذا
يحدث بعد ذلك ؟
يذهب المريض احياناً فيستشير طبيباً محسناً ، فإن كان مصاباً بالسل اشار عليه الطبيب بالذهاب الى المستوصف لمعالجته ضد السل . وفي كثير من الاحيان يذهب بالمريض الى مستوصف جار او قريب حيث يرشد الى مصلحة اجتماعية تعتني به وتطببه ، اما عائلته فأي مصير تنقلب اليه ؟ انها تجابه في بادئ الامر مصروفاً اضافياً يزداد على متطلبات الحياة الضرورية . وتتضاعف الفاقة شيئاً فشيئاً وكثيراً ما يطلب الوالدان بدون جدوى القوت الضروري . والأمر ادهى ان كان المريض يساعد العائلة في تدبير امورها : اذ تضطر العائلة الى حجب الاولاد عن المدرسة ان كانوا يذهبون اليها ولا تجدد لهم ثيابهم وتدني معدل التغذية لهم ، وتزداد المأساة حدة ان كان المريض ساعد العائلة ومورد رزقها الوحيد ، انها عندئذ لكارثة حقاً .
ومن الضروري ان نقف على حالات بعض الامهات اللواتي يرتدين في الألم عند فراق مفاجئ ، أو في حالة عدم الاطمئنان الى الآتي . واسمحوا لي الان ان اعرفكم الى بعض هذه العائلات .
