يمتاز الأدب الحديث بالتوغل في دراسات نفسية أهملها الأدب القديم إهمالاً مطلقاً، ويعنى باستقراء حالات تبعثها يقظة العاطفة في الصغار، أو شيوخها في الشباب، أو برودتها في الشيوخ. هي دوائر وساحات جديدة يفتحها الأدب الحديث كانت بالأمس في المحظور المجهول.
ما هي انطباعات الحياة في نفوس الصغار الطريفة؟ كيف يؤثر الشعر والفن والموسيقى على بعض الصغيرات الحالمات؟ وما هو شعورهن أمام بعض القصور المغلقة في وجه خيالهن؟
في القصة المنشورة هنا تروي لنا السيدة الينا سيلفيرا، الأديبة البرازيلية التي أصبحت معروفة من قارئات هذه المجلة، كل طريف ممتع.

ذلك العهد، عهد دروسي على الكمان، أذهب فيه دورتين من الأسبوع إلى بيت الدونا ميرتس وأقضي سائر الأيام في انتظار الدورات القادمة؛ كان قلبي قد ربط إلى أستاذتي وإلى عالم الأنغام، فانقطعت إليها وصارا مني، لأن يديّ الدونا ميرتس النحيفتين الرشيقتين ملكتا أن تجعلا من الكمان كائناً معذباً يتأوه معبراً عن آلام الدنيا جمعاء.
وكانت أستاذتي كريمة، تعزف لي بعد الدرس كل ما أشاء، وكانت متسامحة عطوفة على سني فتوتي الأولى، العطشى إلى كل جميل، والمحبوسة في أفق ضيق، أفق كازابرانكا، وهي المدينة الريفية حيث كنا نقيم.
وعندما كانت الأنغام تنهال عليّ وتؤلف حولي قبة يتجاوب فيها السحر، كانت أستاذتي تنقلب - في نظري - من عانس، نظيفة الهندام، ساذجة النظرات، مضطربة الحركات، إلى شخص آخر تخلقه لي أحلامي العذاب! فتمحي آثار السنين من الوجه النحيل المنحني فوق الكمان ومن الشعر الخفيف والجسد المنهوك، وأراها شابة جميلة، متقدة
بحرارة الشباب، لم يأبه لها أحد فذبلت في انتظار أمير أحلامها!
في تلك الدقائق كان خيالي ينتقم من الحياة القاسية على أستاذتي فيخلق لها جمالاً فتاناً، ويضع قربها شاباً مولهاً، وينزلها في بيت ترف وأناقة تحيط به حديقة إنكليزية ذات مدارج خضراء، تظل تنحدر وتنحدر حتى شاطئ بحيرة زرقاء...

وعندما تموت نبرات الكمان الأخيرة في الأثير، تهفو أستاذتي عليّ فأنشق رائحة الكولونيا، وأرى وجهها العذب وقد رسمت التجعدات فيه خيوطاً، فتقفز الدموع إلى مآقي فتقبلني صامتة، وأودعها بإشارة وقد شدّ التأثر على عنقي فما تخرج من حنجرتي كلمة.
★
أما جنوني بالموسيقى فقد ظهر يوم
نزلنا مدينة سانباولو لقضاء بعض الأسابيع فأخذني ذووي إلى صالة للسينما.
ظهر على المسرح رجل وأخذ يعزف على الكمان، وكانت الأنوار الملونة تنصبّ عليه وتكسبه شكلاً عجيباً. أخذ يعزف قطعة للموسيقي «دفوراك» وتعالت الأنغام شيئاً فشيئاً فاستولت عليّ وعلى حواسي. وأظلمت الصالة، واختفى كل شيء حولي، اختفى وجه فتى كان بين المتفرجين وكنت بدأت أحبه، واختفى جمال أختي الكبرى ليقيا، اختفى كل شيء ولم يبق سوى اليدين الرشيقتين والوجه ذي الأضلاع، ذلك الوجه الشيطاني المنحني فوق الكمان، وخضعت كمن سقيت مخدراً، ورحت مع الأنغام إلى عالم مسحور، وغطت في أمواه عميقة صافية، وقبّلت كما يفعلون في السينما - وجه شاب مجهول تنصبّ عليه أنوار صفراء.
كانت الأنغام تتنزه فوق فتوتي الغضة كما في طريق حمراء ذاهبة عمقاً في الأرض، وتمرّ... وتمرّ... وتنزل بي إلى مهاوٍ سحيقة ثم تسحبني وتسير بي وتُرِيني آفاقاً مجهولة ومناظر طبيعية غير مألوفة.
عندما أنيرت الصالة مجدداً كنت شيئاً يثير الإشفاق تهزهزه الزفرات، فهزأت مني أمي واتجهت إليّ الأنظار
١١