
فالشعر غير ذلك الشعر والقوام غير
ذلك القوام ....
وفجأة ، قام في روعي اني فتاة
فظيعة !!
ورجعت مراراً عديدة أتجسس البيت
من بعيد وانا رهن جاذبية عنيفة . في
ساعات الحر كنت ارى النوافذ مقفلة
والنحل يثر في الهواء والورود تثقل
الاغصان ، فأتصور تلك المخلوقة نائمة في
سرير وثير وأتصور شعرها منتشراً وجيدها
الابيض طالعاً من خلال غيوم الدانتلا .
في احد الايام ، بعد الظهر ، رأيتها
ترافق رجلاً يمشي في الحديقة ، فلم يرياني .
كانت ساعة القيظ المحرق عندما تقفر
الشوارع من الناس . لما وصلا الى الباب
الخارجي لفّ ذراعه حول خصرها وقبّلها
على فمها . كان مشهداً سريعاً لم يطل سوى
لحظة ، فاضطربت لانني لم ار قبلاً كهذه
الا في السينما ، ابتعدت بخطوات كبيرة
واختفيت في عطفة الشارع كالهاربة .
وغدوت بعد هذا قلقة لا اقوى على
جمع افكاري . ومراراً نبهتني الدونا
ميرتس اثناء الدروس قائلة :
- انك شاردة الذهن . انظري هنا .
ولم اعد اطلب منها في نهاية الدروس
ان تعزف لي معزوفاتها الجميلة ، وعدت
ارى وجهها كما هو ، بالنمش المزعج في
الوجنات وذلك الغور السقيم حول
العينين . وهجرتها مخيلتي التائهة واخذت
تدور حول شخص آخر وتمشي في الشارع
الهادي الصغير وترى الجدار وقد تدلت
عليه الورود .
وشعرت استاذتي المسكينة ان
احداً يسرق لها شيئاً ، فغدت منكمشة
حزينة ، يطفح قلبها بالتعابير المثيرة
التي اشتهرت بها عوانس الارياف . كنت
فور انتهاء الدرس استعجل الخروج ،
وفي الطريق اصلح من شأني وعندما اصل
قرب البيت ذي القرميد الاحمر امشي
بخطوات سريعة انيقة فاذا رأيت الصبية
في الجنينة احيّي وامشي كما لو كانت
الطريق طريق بيتي .
... اترهن ساقطات جسداً أوروحاً هؤلاء اللواتي
نسمين « بنات الهوى » ؟ اترهن غير جديرات
بتقبيل طفل وضم ولد ؟ كم من ثورة عاطفية
وراء تلك الجدران التي يظن الناس انها ما تخفي
الا الاثم والا الفجور ؟ وكم من امرأة تتلوى
وألمة ، باكية ، على حياة اقفرت من الاطفال
وبقاء الاطفال !! ...
في احد الايام خرجت من البيت قبل
الموعد ، وفي نيتي المرور امام بيتها قبل
الدرس .
وجدتها جالسة تحت رفراف البيت ،
قريبة من الدرابزون ، فلمحتني وأومأت
بيدها ايماءة حبية سقط معها كمّ ثوبها
حتى الكوع . كانت تلبس ثوباً من
المخمل الاحمر يلفّ جسمها لفاً ويظهر
جمال صدرها العالي ويرقّ عند خصرها ثم
يتهدّل . فامسكت انفاسي لشدة ما أثر
في منظرها ، وظلت تبتسم لي ورأسها في
الظلّ .
قالت :
- أأنتِ راجعة من درس الكمان ؟
- كلا يا سيدتي ، انا ذاهبة الى
الدرس ، ما أشدّ هذا الحرّ !
وكانت تتفحصني بلذة
- هل تحبين حلوى الكستناء
- احبها .
- اذاً ادخلي .
- لا سيدتي . ان في هذا ازعاجاً لك .
وظهر لي انها تتردد ، ولعلها رأت
الرغبة في عيني فمشت حتى الباب الخارجي
وفتحته وقالت ببساطة :
- هيا ، تعالي
مررنا في الجنينة ، كنت اسير على
حصى الممشى وكأنني ادوس فوق الغيوم .
دخلنا البيت وكان وهج الشمس الشديد
في الخارج يظهر الدار مظلمة . وبعد
هنية ظهرت لي الزخارف من زهريات
صينية ملوّنة ملآنة بالزهور ، ووسائد
منثورة هنا وهناك فوق الكراسي وعلى
الديوان ، ورأيت صورة زيتية تمثل طفلة
زرقاء العينين بشعر غزير كستنائي تدلى
مبروماً خواتم ، خواتم .
واحسست بحياء شديد ، فاجلستني
ربة البيت قربها على الصفّة وغمرني
عطرها ، وبدا نهدها شديد البياض من
فتحة الثوب الكبيرة ثم اشعلت لفافة
ووضعتها بين شفتيها القرمزيتين ومدت
نحوي علبة كستناء كبيرة .
كنت أتأملها واحسب نفسي في حلم ،
أمن الممكن ان تسكن صبية مثل هذه
مدينة ريفية مثل مدينتنا ولا يشعر
بوجودها احد ؟
قالت :
- اتأخذين دروساً على الكمان ،