رافقت في كوريا جرحى قامت بنقلهم الطائرات، وتحدثت مع عدد كبير من المائتي وخمسين ممرضة القائمات في الساعة الحاضرة بمهمة نقل المرضى والجرحى الى مؤخرة الجيوش. وقد ساهمن، خلال ثمانية اشهر، بنقل عشرين الف مقاتل.
ان هاته النسوة يعرفن ما يجهله أكثر الناس، يعرفن ان حرب كوريا هي «بربرية» لا تصدق! ان قوانين الحروب «الكلاسيكية» اصبحت في حكم القوانين البالية التي مر عليها الزمن. فعلى الجنود ان يتمرسوا باساليب عراك جديدة حيث يقوم الصراع الجسدي بالدور الاهم. هنالك يتعلمون الضرب بالايدي والقتل بالخناجر او بالعصي أو بالحجارة. والكل مسلحون، من الاطباء الى الطباخين الى مأموري الاعاشة. وهذه الحرب تتطلب من الممرضات التفاني المطلق، ان كن على اليابسة أو في الجو.
ومنذ ابتداء التعبئة لم يترك الخدمة في الجبهة سوى ممرضتين، مع ان عدد ساعات الطيران، واكثريتهن تخضع له، مهلك مضن ولا تؤخذ الاجازة في حرب من هذا الطراز الا اذا كانت حالة الممرضة اشد وطأة من حالة الجريح، فعلى نقالات الجرحى في كوريا يرقد اصحاب الجراح الخطرة واصحاب الامراض المهلكة. ولولا الطيران، ولولا العلاجات
العجيبة الموجودة اليوم في متناول الناس لمات ثلاثة ارباع هؤلاء الرجال.
في الحرب الاخيرة في اوروبا كانت حالة الطرق جيدة لتكرّ عليها عربات الاسعاف، وكان هنالك عدد كبير من المباني تحوّلت الى مستشفيات. اما في كوريا فحظ الجرحى الوحيد هو ان ينقلوا بسرعة. والطائرات المستعملة للنقل نحو اليابان اولاً ثم الى جزر هاواي،
فهي طائرات شحن تنقل الجرحى، وبرجوعها تحمل الذخائر، وكثيراً ما تفرغ الاحمال دون ان يلجأ قائد الطائرة الى توقيف المحرك، وعلى الارض كما في الجو لا ينام الممرضات ولا يأكلن في اوقات منتظمة، فهنّ يعملن حتى تنتهي المهمة.
عندما تصل الطائرة الى طوكيو يُكتب اسم الممرضة في اسفل اللائحة. وعليها ان تستعد حالما يصبح اسمها الخامس بين الاسماء، اما عندما يصير الثاني فقيام الطائرة محتوم بين دقيقة واخرى. لهذا ليس لها وقت ان تغسل شعرها أو ان تأخذ حماماً أو ان تستبدل ثيابها. وعندما يُنادى باسمها، تعرف الممرضة
ان هنالك ثلاثين أو اربعين جريحاً في حالة خطرة سينقلون الى الطائرة. فتبدأ بدرس بطاقاتهم ثم تعين لهم الاماكن حسب طبيعة الجراح: فالذين تخشى منهم العدوى يوضعون في المقدمة، والذين كسرت اضلاعهم وافخاذهم يسندون الى جدران المخادع، اما الذين تجلّدت اطرافهم ففي امكنة تقدر فيها الممرضة ان تغيّر وضعيتهم على الدوام ويقتضي لكل ممرضة لتقوم بمهمتها ان يكون طولها متراً وستين سنتيمتراً، لتتمكن من خدمة الذين في المخادع العليا، كذلك عليها ان تطعم الذين جرحوا في وجوههم أو في حناجرهم بواسطة الانابيب.
وليس من اطباء في الطائرة، والممرضة وحدها تهتم بالرجال بمساعدة ممرض واحد.
وفي الحوادث المستعجلة، يضعون عشرة مخادع اضافية في ارض الطائرة، وعلى الممرضة عندما توزع الادوية والغذاء والماء «والزحافات» ان تقوم بحركات بهلوانية لتتمكن من المرور بين الجرحى.
وفي طائرات كهذه يتعذر وضع آلات خنق الاصوات لان وضعها يستلزم مساحة لا يستغنى عنها، فطقطقة المحركات تعلو على كل صوت حتى يشعر الانسان انه سجين بين جدران معدنية ينهال عليها ضرب المطارق. ولما كانت الاصوات لا تسمع في مثل هذه الحالة فعلى الممرضة ان تظل في حركة «المكوك» لتطمئن ان كل شيء حسن.
وفي الجو يصاب بعض الناس بوجع الرأس عندما تصل الطائرة الى علو ٣٥٠٠ وعندما تصل الى علو ٤٥٠٠ يفقد

