رأيتها فور عودتها من رحلة فريدة بين الرحلات عمّا تعوده الناس . كانت محمرّة الزندين والعنق لاهبة الخدين من المشي ومن البقاء عشرة ايام في الهواء الطلق . قالت :
كان الكثيرات من رفيقاتي يهززن الرؤوس والاكتاف ويقلن : تدخلين في فرقة المرشدات وتنتقلين من بلد الى بلد فراشك الارض ولحافك السماء ؟ اية خفة هذه بل أي جنون ! وكيف يدخل في معقولنا ان نترك بيوتنا المريحة ، وحفلاتنا وسهراتنا اللذيذة لننام في الغابات وعلى الارض كالاقوام المتوحشين ؟
اذا تبعتني القارئة استطاعت ان تحكم من منا كان على حق، رفيقاتي أم أنا ؟
انطلقنا ، باسم الله ، في سيارة الى جزين وكنا عشر بنات : مود موسى نور ، غيتا وهبه ، سيلين كلزي ( حلبية ) ميليا لحد ، ادفيك دابروموث ، اوديل دوندل ، ستيلا باروك ، تيريز حاج ، مانون شليلا ، وأنا ، لبنا نادر . ومن جزين حملنا اكياسنا على ظهورنا وسرنا في طريق قرية باتر وهي تبعد عن جزين ٨ ك.م. وكان الفلاحون على الطريق يستوقفوننا ويسألوننا اين نذهب ويدعوننا لتناول القهوة في بيوتهم ويهمسون فيما بينهم اننا لن نتمكن من الوصول الى باتر ولكنهم يشجعوننا ويطلبون لنا الوصول بالسلامة . والطريق بين جزين وباتر لم تصلها بعد
« نعمة الزفت » والسير فيها صعب ، وصلنا بعد مسير ساعتين الى باتر وهناك استقبلنا بالترحاب المواطن الكريم عادل بك حمدان وعقيلته ذات اللطف الجم والتهذيب الرفيع فاطعمانا عشاءً لذيذاً ، وعلى السطح فككنا الاكياس والاحزمة ورقدنا في ضوء القمر بعد ان صلينا معاً صلاة المساء . استلقينا ننظر الى السماء النقية المرصعة بالنجوم المتلألئة فوق رؤوسنا ؛ وكنا تعبات فرحنا في نوم عميق .
كانت تلك الليلة اول مرة ننام فيها على ارض صلبة لا يغطيها سوى دثار واحد. في اليوم الثاني نهضنا مبكرات وودعنا، آسفات ، هذا البيت اللبناني المضياف وسرنا ووجهتنا المختارة ، في طريق لا تخلو من الغبار والحصى ، ولكنها جميلة بما على جوانبها من الكرمة ومن اشجار التين . وبما تطل عليه من مناظر خلابة فهناك واد كبير اخضر ، تسير في اسفله جداول صغيرة .
كنا نسير مطلقات اصواتنا بالاناشيد فتملأ اصداؤها الجو حولنا . عندما وصلنا الى المختارة كنا هالكات تعباً . ولكنه تعب ازاله لطف كمال بك جنبلاط والسيدة الراقية عقيلته فادخلانا الى الحدائق الجميلة وقالا لنا « هذه الحدائق لكنّ » .
بعد العشاء الطيّب في بيت سليل آل جنبلاط غنا في حديقة القصر بين حفيف الاغصان وسقسقة المياه .
كنا نفكر اننا لولا هذه الرحلة لبقينا جاهلات هذه المنطقة من بلادنا ، وكنا نتساءل كيف يمكن للمرء ان يحب وطنه دون ان يتعرف الى اجزائه. من منا كانت تعرف الشوف قبل اليوم، اللهم الا اللواتي ولدن فيه ؟ كنا نسمع عن روح الضيافة عند اللبناني دون ان نتعرف اليها .
بعد المختارة انطلقنا نحو اطول مرحلة : بيت الدين ثم عين زحلتا . الطريق مزفتة جيداً تذهب علواً شيئاً فشيئاً ، مشينا



