ان هذه المرأة ، بل هذه الجثة الهامدة ، هي لوسي دي براكونتال ، التي افتقدها اهلها ، يوم الاحتفال بزواجها ، فلم يعثروا لها على اثر . نعم هي لوسي ، التي دخلت هذا المخبأ منذ ثلاثين سنة ، كما دخله هو اليوم ، ولم تستطيع الخروج منه .
وهذا المخبأ السري هو ايضاً ذلك المأوى الذي كان يختفي فيه البارون دي زادريه ، كلما ضيق عليه اعداؤه الخناق .
نعم هنا كان يختفي ، ذلك النبيل ، اللص ، الذي نشر الرعب في البلاد ، وهنا اختبأت لوسي وماتت ، وهنا اختبأ راباستين .. فهل يلاقي حتفه مثلها ؟
مر النهار واقترب الليل .. انه سجين بين هذه الجدران ، مع الفتاة التي دفنت حية . وهو هنا منذ اربع وعشرين ساعة ، فهل من سبيل للخروج من المقبرة ؟
وبينما هو يفكر في امره ، لفتت نظره نقطتان تلمعان في الظلام ، من خلال كوة صغيرة في اعلى الحائط .
اقتربت النقطتان .. انها عينا القطة .. قطة الحارس .. التي جلست على ركبة راباستان ، وأنست الى مداعبته .
ان هذه القطة في وسعها ان تكون رسوله الى الخارج ، الى رفاقه الذين يبحثون عنه من غير شك ..
صمم الشاب على اقتناص الفرصة ؛ والا يدع وسيلة الخلاص هذه تفلت من يده .
سحب منديله من جيبه .. واقترب ببطء وحذر من القطة التي هبطت الى داخل الحجرة .. وثب عليها ، فقبض على عنقها بيديه .. وعلى الرغم مما اصابه من مخالبها ، فقد تمكن من ربط المنديل في قدمها ، ولف طرفيه فوق ظهرها .. ثم اطلقها ، فقفزت من الكوة الى الخارج مذعورة .
ووقف راباستين فوق مسند المقعد ، وجعل يرسل من خلال الكوة صرخات الاستغاثة ، بكل ما في حنجرته من قوة ضاعفها الخوف والفزع . الى ان سقط على ارض الحجرة مغشياً عليه !
قلق رفاق الفيكونت دي راباستين ، وابوا ان يغادروا قصر مونسيجور قبل ان يعثروا على صاحبهم . فظلوا يبحثون عنه منذ اللحظة التي فطنوا فيها الى اختفائه .
وكانت القطة رسول الشاب المفقود الى اصدقائه . فقد رأوا منديل راباستين ملفوفاً على ظهرها ، ومربوطاً بقدمها ، فأخذوا يراقبونها في روحاتها وغدواتها ، حتى رأوها تدخل من الكوة الصغيرة ، فعرفوا منها مخبأ رفيقهم ، وحاولوا ان يصلوا اليه من الابواب السرية ، ولكنهم فشلوا ، ولم يبق امامهم غير طريقة واحدة عمدوا اليها ، هدم الحائط حول الكوة ، والنزول الى الحجرة الخفية بسلم من الخشب .
وهذا ما فعلوه ، فوجدوا رفيقهم مغشياً عليه الى جانب جثة لوسي دي براكونتال .
وعند ما علمت المركيزة دي براكونتال بما حدث ، اسرعت الى قصر مونسيجور ، ووجدت في نفسها الشجاعة الكافية للدخول الى الحجرة التي دفنت فيها ابنتها حية . ولكن الامر احتاج الى هدم الجدران ، لان فتح البابين السريين ظل متعذراً . وعندما هدمت الجدران ، وجدوا فيها اجهزة جهنمية مكونة من سلاسل واثقال وكرات ، كان البارون دي زادريه قد اعدها ليتسنى له دخول مخبئه والخروج منه حين يشاء .
وحولت المركيزة دي براكونتال مخبأ البارون ، وضريح ابنتها ، الى كنيسة صغيرة للصلاة !
في تلك الكنيسة الصغيرة ، التي بقيت جدرانها الى الان جرداء خاوية من كل زخرفة وزينة ، كما كانت في عهد النبيل اللص الذي جعلها ملجأ له وملجأ لكنوزه ، والتي احتفظ ببابها السري كما كان في الزمن الغابر ، في تلك الكنيسة التي دفنت جثة الفتاة المسكينة لوسي في ارضها ، تقام الآن الصلوات لراحة نفسها ، وبتصاعد البخور في ارجائها ، فتتبدد الاشباح الخفيفة التي تركتها فيها اعمال البارون دي زادريه منذ اجيال !


