

في اولى زياراتي لمعالجة الطفلة الجميلة منى ، البالغة من العمر ست سنوات ، اخذتني امها جانباً واسرت إلي : « ان ابنتي كثيرة الحياء ، ولا تدع احداً يلمسها ، خصوصاً اذا كانت لا تعرفه » ، ثم رجتني قائلة : « ان طفلتي عمياء ... وقد تبدو لك اصعب من باقي الاطفال الذين في عمرها ... »
كان منظر منى اشبه بمنظر الملاك الصغير ، بشعرها الذهبي المتموج وتقاطيعها البريئة الناعمة ، واهدابها الطويلة المحيطة بعينين زرقاوين ... عينان عديمتا الفائدة تماماً ، لان الطبيعة القاسية ، لم تعط الحياة لهاتين العينين .
لست ادري ما الذي ساعدني على الفوز بصداقة هذه الطفلة في ذلك اليوم بالذات ، وباي طريقة جعلتها تحدثني ، ولكن عندما طلبت اليها ان تسمح لي بان افحص حلقها ، وكان ملتهباً ، كنا قد اصبحنا صديقين حميمين ، وكان كل حياتها قد ذهب .
لكم كنت اتمتع بعدئذ بزيارتي اليومية لها ، وكثيراً ما جلست بقرب سريرها اسرد عليها القصص ، واعيرها
عيني لترى من خلالها عالمنا هذا . وكانت هي بدورها تقودني نحو عالمها هي ... عالم غريب ، مظلم . خال من الوجوه الصديقة ومن جمال الطبيعة . وكأن الله وهبها ، كما يهب كل ذي عاهة ، جلداً وعزماً كان بمثابة التعويض لها عن عذابها ... وشعرت انا بألم الاطباء وتحرقهم عندما يقفون مكتوفي الايدي أمام المشاكل اليائسة التي لا تحل .
شُفي حلق منى بسرعة ... ولكنني كنت قد اصبحت احبها لدرجة انني تابعت زياراتي بعد ذلك بقدر ما يسمح لي وقتي .
في احد الايام رأيت دمية جميلة في
احد المحلات فاشتريتها لها . وعندما حملت منى اللعبة بين ذراعيها تداعبها سمعتها تقول : ان لها شعراً اجعد كشعري تماماً . أليس كذلك ؟ وانفاً وفماً مثلي ايضاً ؟ ثم تحولت اصابعها فجأة نحو عيني اللعبة المغمضتين وترددت برهة ، ثم عبست وكأنها تزن سؤالاً لا تقوى على التلفظ به . ثم ضمت اللعبة الى صدرها بحنان وتمتمت : « رحمة يا الهي ... لا تجعلها عمياء ايضاً ! »
في تلك اللحظة حمدت الله على ان منى لم تستطع ان تراني ، فقد كانت الدموع تملأ عيني ... دموع الطبيب الذي يعجز عن المساعدة .

