قاربت الشمس المغيب ، فوقفنا معاً نودع ذلك القرص الأحمر وقد أرسل الشعاع الذهبي ، منبعثاً بين كل متشابك متخللاً كل فراغ فيه . فإذا بالغيوم الناصعة قد بدأت تتأثر بلون الشمس فبدت كحسناء خجلة محمرة الخدين ، وقد أسدلت جفونها الناعسة بحياء ، فرأينا أشعة الشمس التي نفذت من خلال الغيوم وكأنها نظرات الحسناء الحالمة ...
ونفذ الشعاع من خلال شجر الصنوبر ومن خلال أوراقه الدقيقة الشبيهة بالشعر ... فبدت شجرة الصنوبر وكأنها رأس جميل ، شعره متهدل ، يكاد من لمعانه في الضوء يبهت الأنظار ...
ونفذ الشعاع من خلال روحينا فبدتا على حقيقتها ، جميلتين متشابهتين ... ونظرنا إلى روحينا فرأيناهما في شغل شاغل عنا ، وقد تعلقتا بشعاع الشمس ونظرتا بلهف إلى الأفق البعيد ، حيث أوشكت الشمس على المغيب ... ولحنا في روحينا مسحة من قلق وخوف .. فعرفنا أن ذلك مبعثه قرب انتهاء يومنا ... فلقد كان حافلاً بالجمال والسعادة والحب ... وقد أوشك أن ينتهي ... وسادنا صمت رهيب فلم ندر كيف نواجه تلك النهاية ولمّا نشبع من البداية ...
وعدنا نلقي آخر لمحات على الشمس ، وقد اقترب طرفها من ذلك الأفق الأزرق ... ورأينا البحر وعاءً كبيراً متلهفاً ليلف بين طياته تلك الكرة الحمراء ... وبدأت الكرة تسقط في
داخله بتأنٍ وحذر ، فإذا بها تجرب بطرفها الأسفل أولاً ، وعندما اطمأنت على مرقدها الجديد ، تجرأت فعامت حتى منتصفها ، ثم بدأت تفقد إرادتها فغرقت ، وغرقت إلى أن اختفت كلياً تحت الماء ...
وشعرنا بعذابها وألمها وهي تغرق ورأينا كيف لفظت آخر أنفاسها وشهدنا كيف بهت لونها الأحمر وكيف انطفأ نور عينيها ... ولم نكن نشاهد سوى نهاية يومنا ، أجل .. لقد ودعنا شمس يوم سعيد .
وتسرب الظلام يحتل الجبال والتلال والوديان ، وتسرب بوحشته ليخيم على قلبينا فخفنا ، واعترتنا رعشة ورهبة ... واحتجنا لروحينا لتجمعنا ، خوفاً من الوحدة ، وتهديء من حالتنا ، خوفاً من استبدال سعادتنا بالأسى ، وتهدينا خوفاً من الضلال في ذلك الظلام الدامس ،
وتعيد الينا ثقتنا خوفا من اليأس ...
عاد الأمل يرفرف بجناحيه ليملأ الفراغ الذي تركه النور للظلام يرتع فيه ، فغيّرنا وجهتنا نحو التلال وأدرنا ظهورنا للغروب ، فأهملنا اليأس لنستقبل الأمل ... أما السماء فقد بدأت تتأثر بالنور المتقدم من وراء الأفق .. وتوجت التلال هالة سحرية وانبثق النور ثانية من خلال الغيوم ، واكتسى الصنوبر بانعكاس النور الوهاج ... فوقفنا معاً نشاهد ذلك البدر وهو يطلع علينا بوجهه المضيء بخفر وحياء ، كأنه تلك الحسناء الحجلة وقد أوشكت على كشف قناعها عن وجهها الفتان ولكن بتأنٍ وحذر ...
وجلسنا تحت شجرة صنوبر نتناجى ونتحادث ونستقي من السعادة الإلهية التي انعمت بها علينا الطبيعة والحب والجمال والأمل .
