وعاش كثيراً حتى شبع من العمر، ولم تنحن قامته ولا التوى عوده ولا جفّ صوته، ولا كلت يداه ولا تعبت رجلاه.
ومات شبعان من العمر ومن الخير..
اما العمر، فكان يقول لنا دائماً: انا عشت عمري عمرين، عشت عمري في النهار، وعشت عمراً آخر في الليل.
واما الخير فقد ورث منه القليل عن آبائه، وقد اورث منه الكثير لابنائه...
لم يكن في كروم العنب في ضيعتنا، مثل ما عند ابي وهيب... العناقيد في كرومه اشكال اشكال، عناقيد سمينة مليئة، تتدلى ثريات من ذهب، من فضة، من بلور، من عقيق، في دوال مشوقة عالية خضراء، دائماً مثقلة، ليس فيها عنقود واحد مصوص ضعيف... وكأن كرومه بين الكروم وحدها من ذوات الدلال في الضيعة...
*
وحتى عصافير كرومه، كانت غريبة بين عصافير الكروم.. ما ينقطع العصفور منها، حتى ينقطع العنقود عن امه، وعناقيد ابي وهيب لا تنقطع الا في اول الشتاء... وصيادو العصافير في الضيعة يموتون على عصافير كرومه، السمينة.
*
جرؤت مرة على كرومه وعصافيره وقلما جرؤ احد في الضيعة عليه... كان بيني وبينه قرابة جرأتني على ذلك... وكانت رغبتي في العصافير اكثر منها في العناقيد... وما ان اطلقت الطلقة الاولى، حتى دوى في الغابة صوت رعاد: عصافيري اربيها للناس...؟!.. مين
انت يا ولد... وسمعت وقع خطواته تقترب مني.
شددت قلبي وقلت: القاء باللين والمداورة.. ووقف بجانبي فخيّم ظله الكبير علي.. كانت قامته تطاول «البطمة» التي انا تحتها.
ولما عرفني اطمأن باله... عرف اني ضيف على الضيعة، صياد غاو هاو،
اجيء الكروم في غير العصفور والعنقود. وقلما اصيب عنقوداً او اصيب عصفوراً.
وابتسم وقال لي: خنتك من هؤلاء الملاعين، يخربون الكروم، فلا يصيبون غير العناقيد... فاطمأن قلبي للهجته ورحت اداوره بالحديث
تغويني كرومك يا عمي، وتغويني
(البقية على الصفحة ٥٠)

