حالة وهم وتقطع صلتها بالواقع ويقودها الوهم إلى الاستعباد وانعدام الشخصية. وغني عن البيان أن كلاً من انواع الحب المتطرف الذي تغرق فيه الذات لا يُعد حباً طبيعياً ولا سوياً. لأن الحب الحقيقي هو الذي يحفظ للمحب شخصيته وحريته وفي هذه الحالة يكون للشخصية مصدر غنى ونمو وارتفاع لا وسيلة ضعف واستسلام واكحاء.
النموذج الأخير: المرأة المستقلة وهي نموذج لا نجده الا في عصرنا الحاضر. ونعني به امرأة ذات مهنة تؤمن بها استقلالها الاقتصادي وبالتالي حريتها الاجتماعية والشخصية. فهي ليست ملك أحد. اذا تزوجت فعلاقتها بالرجل علاقة مساواة واحترام متبادل لا علاقة الطفيلي المعتمد على غيره وبهذا الشعور الجديد، شعور المخلوق السوي الذي يحيا بنفسه، تتكامل شخصية المرأة وتصبح انساناً سوياً.
لكن المرأة ذات المهنة لا تشق طريقها في الحياة بسهولة بل تلاقي من المشقات ما يدفعها احياناً إلى التراجع. لأن ابواب العمل امامها قليلة محدودة وكذلك سبل التقدم. وفوق هذا تعترضها مشكلة التوفيق بين عملها والقيام بواجباتها كزوجة وأم فاذا ضاقت ذرعاً بكثرة الواجبات ضحّت الواحد في سبيل الآخر.
على أن مشاكل المرأة العاملة في طريق الحل يحميها التشريع من جهة اذ تطبق عليها القوانين التي تطبق على الرجل، وحيث يلحقها اجحاف نجدها تُلحّ في المطالبة بالمساواة من ناحية الأجور. إن انصاف العمال والمستخدمين ــ بما فيهم النساء ــ في تحديد ساعات العمل ورفع الأجور والتعويض في حالة مرض او بطالة، كل ذلك من شأنه ان يُغري المرأة بالشغل ويدفعها إلى مقاسمة الرجل اعباء العيش والمساهمة واياه في
بناء عالم أفضل.
اما مشكلة الأعمال المنزلية فقد حلّتها المرأة العاملة بعدة وسائل: منها العمل بعض الوقت لا كله ليتاح لها فراغ كاف للاهتمام بمنزلها، ومنها استخدام الآلات والأطعمة الجاهزة والتعاون مع الزوج والاولاد في اعمال البيت.
واذا جاز لي التعليق على ما قدمته سيمون دي بوفوار في موضوع وظائف المرأة خلال العصور قلت: إن النماذج الثلاثة التي عرضتها، والتي تمثّل ثورة المرأة على حالتها الوضيعة اعني المرأة النرجسية والمرأة المتصوفة والتي تغرق في حب شخص آخر، تطور مرت به
نساء الغرب في الدور المتوسط الذي سبق تطورهن الحديث، وقلما نجد له مقابلاً عند نسائنا. لأن المرأة الشرقية بصورة عامة لم تتعد في تطورها الدور البدائي أي عمل المنزل وتربية الطفل ومعاونة الزوج في أعمال الحقل وبعض الأعمال الأخرى. وقد وُجدت في القديم حظايا وجوار لعبن دوراً في قصور الخلفاء والسلاطين ثم انقرضت هذه الطبقة بانقراض سيادها. والمرأة عندنا تنتقل اليوم فجأة من حالتها البدائية إلى دور المهنة المستقلة والعمل الخالق ولهذا نجد انتقالها بطيئاً بالقياس إلى عصر السرعة الذي نعيش فيه.

