ووجدت نفسي حيث سرت ترتفع الايدي لتحيتي فأتساءل ما الذي فعلت مع هؤلاء الاتراب حتى استحق كل هذا التكريم .
اما العنب والتين والخوخ والخيار ، والطماطم ، وسائر الفاكهة والخضار فلا ادري كم ثمنها لأنه يجتمع عندي كل صباح من هدايا الجيران ، يمكنني ان افتح حانوتاً . وحين علموا ان ابنتي في القاهرة تجمع ورق البول جاءتني مغلفات الرسائل الملونة بالعشرات ، فاجتمع لدي مئات من الطوابع البريدية من برازيلية وارجنتينية وامبركية واسترالية . فالظاهر ان عدداً كبيراً من ابناء « عين البرغش » منتشرون في انحاء الدنيا .
وكان اسخاهم في ورق البول فران القرية اذ ان له ابناً يدرس الهندسة في الدانمارك .
حقاً انهم قوم افذاذ لهم هوس في تعليم اولادهم كأنه مس الجنون . ترى الواحد منهم مهشم الاسنان ، مزق الثياب منصباً على الحجارة ينحتها بالفولاذ من الفجر الى النجر - هذا مثل يعنون به من الصباح الى المساء - لكي يوفر ليرة يجمعها الى ليرة حتى تصبح مئات ينفقها على احد اولاده في احدى جامعات بيروت او باريس او نيويورك ، وهو يفعل ذلك جذلاً فخوراً ليوفر لابنه الثقافة العليا التي حرمها هو .
ولقد عزمت ذات يوم على شراء قطعة من الارض ابني لي فيها بيتاً كما اشتهي ، فيكون لي مصيفاً اسكنه كل سنة . فسألت احد وجهاء القرية واسمه نجم الأزرق ان كان في وسعه ان يهديني الى ملاك يبيعني ، فاجابني انه يملك قطعاً
كثيرة ولكنها ليست للبيع . بل ان ليس في عائلته - آل الأزرق من يبيع من ممتلكاته ، غير انه أكد لي ان بعض افراد عائلة القهوجي ممن يهمه جداً ان يبيع اراضي ، ثم اشار علي ان اتصل بالعائلة المذكورة . وكان رد السيد نجم الأزرق على شيء من النزق لم أدر سببه .
فلما اتصلت بنمر القهوجي - وهذا وجه عائلته - سمعت الجواب نفسه الذي سمعت من نجم الأزرق . وزاد السيد القهوجي بلهجة غاضبة ان آل القهوجي ليست املاكهم للبيع ، ونصحني ان اتصل ببيت الأزرق الذين يسرهم ان يبيعوا بعض املاكهم بلا ريب . فحرت في امري ولم اكنه سر الكلام الذي سمعته . وتقصيت الامر في كياسة فعلمت ان هؤلاء القرويين يحسبون انه من العار على احدهم ان يبيع شيئاً من الارض ، وان عداء تقليدياً يسود عائلتي الأزرق والقهوجي منذ القديم ، فكل عائلة تسكن حياً منفرداً ، وان الاشارة علي ان اتصل بالعائلة الثانية لمحاولة شراء الملك كان غمزاً وتحقيراً واهانة للعائلة المعادية . وذكرت اذ ذاك كيف انهم كانوا يفدون علي جماعتين ، وكيف يشتغل الحي الواحد بالانوار ، ويرعد بالرصاص ، لحادث سياسي في حين يبقى الحي الآخر مظلماً صامتاً .
لذلك صرت احرص في معاملتي لسكان القرية على حفظ التعادل ، فان زرت احداً من بيت الأزرق في الصباح ، وصلت منزل احد القهوجيين بعد الظهر كي لا اسيء لكرامة احد ، فانهم عاطفيون الى حد يصعب تصوره .
عفوك يا سي عطيه فقد أردت ان احدثك عما حدث لنا البارحة .
منذ ايام جاءني احدهم وهو رئيس مدرسة وميتم في قرية مجاورة ودعاني الى
حضور حفلة تقام في المدرسة والميتم فقبلت شاكراً . وما ان خرج من بابي حتى دخله شخص آخر افادني انه مدير المدرسة والميتم وانه يدعوني الى حضور حفلة تقام هناك .
فأيقنت ان العداء المستحكم بين سكان « عين البرغش » هو طبق الاصل عما ينتشر في سائر الحياة اللبنانية ، وان كلا الشخصين - الرئيس والمدير - يود ان يفهمني انه هو صاحب الدعوة وسيد المدرسة والميتم ، وان الثاني لا نفع له ولا اهمية .
واكتريت سيارة وسرنا نحو ربع ساعة حتى واجهتنا قرية سوداء البيوت منبسطة السطوح ، يكاد البصر ينزلق عنها لولا بناية بيضاء صغيرة ذات جناحين . وقال السائق « هناك المدرسة والميتم . تلك البناية البيضاء ، طولها شبر وعرضها ثلث ، داخلها معلمان وربع ، وفيها تسعة تلامذة ونصف . »
وصعدت درج البناية بين صفين من الكشافين ، بعصيهم الطويلة ، وصدحت الموسيقى بلحن عسكري ، وللحال شعرت بهزة ايقظت روحي فصرت اعجب بكل ما أرى .
وتبعت المدير احدثه واستمع الى حديثه . فقد عظم في عيني كل شيء رأيت ،

